مروج الذهب او معدن جواهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فلما صار مسلم إلى باب القصر نظر إلى قلة مبرعة، فاستسقاهم منها، فمنعهم مسلم بن عمرو الباهلي - وهو أبو قتيبة بن مسلم - أن يسقوه، فوجة عمرو بن حريث فأتاه بماء في قدح، فلما رفعه إلى فيه امتلأ القدح دما، فصبه وملأه له الثانية، فلما رفعه إلى فيه سقطت ثناياه فيه وامتلأ دما، فقال: الحمد لله، لو كان من الرزق المقسوم لشربته، ثم ادخل إلى ابن زياد، فلما انقضى كلامه ومسلم يغلظ له في الجواب أمر به فأصعد إلى أعلى القصر، ثم دعا الأحمري الذي ضربه مسلم، فقال: كن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثأرك من ضربته، فأصعدوه إلى أعلى القصر، فضرب بكير الأحمري عنقه، فأهوى رأسه إلى الأرض، ثم أتبعوا رأسه جسده، ثم أمر بهانىء بن عروة فأخرج إلى السوق، فضرب عنقه صبرا، وهو يصيح: يا آل مراد، وهو شيخها وزعيمها، وهو يومئذ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع، فلم يجد زعيمهم منهم أحدا فشلا وخذلانا، فقال الشاعر: وهو يرثي هانىء بن عروة ومسلم بن عقيل ويذكر لما نالهما:
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل
إلى بطل قدهشم السيف وجهه ... وآخر يهوي في طمارقتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل
ترى جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
أيترك أسماء المهايج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول
فتى هو أحيى من فتاة حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل
ثم دعا ابن زياد ببكيربن حمران الذي ضرب عنق مسلم فقال: أقتلته؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال: كان يكبر ويسبح الله ويهلل ويستغفر الله، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت: الحمد لله الذي أقادني منك، وضربته ضربة لم تعمل شيئا، فقال لي: أوما يكفيك وفي خدش مني وفاء بدمك أيها العبد، قال ابن زياد: أوفخرا عند الموت. قال: وضربته الثانية فقتلته، ثم أتبعنا رأسه جسده.
وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلى الكوفة، وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة لتسع مضين من ذي الحجة سنة ستين.
ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت، وحمل رأسه إلى دمشق، وهذا أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم، وأول رأس حمل من رؤوسهم إلى دمشق.
الحسين يقاتل جيش ابن زياد
فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع فإني لم أدع خلفي خيرا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له إخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم، ثم سارحتى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها عمرو بن سعد بن أبي وقاص، فعدل إلى كربلاء - وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل - فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له، فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، وكان الذي تولى قتله رجل من مذحج واحتزرأسه، وانطلق به إلى ابن زياد وهو يرتجز:
أوقر ركابي فضة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس آما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
من قتل مع الحسين
فبعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فدخل إلى يزيد وعنده أبو برزه الأسلمي، فوضع الرأس بين يديه، فأقبل ينكت القضيب في فيه ويقول:
مخ ۳۷۴