350

مروج الذهب او معدن جواهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

ولحق بمكة، فأرسل بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وقال له: سر إلى أهل الكوفة، فإن كان حقا ما كتبوا به عرفني حتى ألحق بك، فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان حتى قدم الكوفة لخمس خلون من شوال، والأمير عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فنزل على رجل يقال له عوسجة مستترا، فلما ذاع خبر قدومه بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقيل: ثمانية عشر ألفا، فكتب بالخبر إلى الحسين، وسأله القدوم إليه،

فلما هم الحسين بالخروج إلى العراق أتاه ابن العباس، فقال له: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدمر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك، واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونا وشعابا، فقال الحسين: يا ابن عمر، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب باجتماع أهل المصرعلى بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه، فكان الذي رد عليه: لأن أقتل والله بمكان كذا أحب إلي من أن أستحل بمكة، فيئس ابن عباس منه، وخرج من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير، فقال: قرت عينك يا ابن الزبير، وأنشد:

يا لك من قبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شت أن تنقري

هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز.

الحسين وابن الزبير

وبلغ ابن الزبير أنه يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمه مكانه بمكة، لأن الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يؤتاه أحب إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك، فوالله لقد خفت الله في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله، فقال حسين: قد عزمت على إتيان الكوفة، فقال: وفقك الله!! أما لو أن لي بها مثل أنصارك ما عدلت عنها، ثم خاف أن يتهمه فقال: ولو أقمت بمكانك فدعوتنا وأهل الحجاز إلى بيعتك أجبناك وكنا إليك سراعا، وكنت أحق بذلك من يزيد وأبي يزيد.

نصيحة أبي بكر بن هشام

ودخل أبو بكر بن الحارث بن هشام على الحسين فقال: يا ابن عمر، إن الرحم يظائرني عليك، ولا أدري كيف أنافي النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا يتهم، فقل، فقال أبو بكر: كان أبوك اقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثرا، وأشد بأسا، والناس له أرجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصا على الدنيا، وضنا بها، فجرعوه الغيظ، وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا ، وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومن أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك، فقال الحسين: جزاك الله خيرا يا ابن عمر، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقض الله يكن، فقال: إنا لله وعند الله نحتسب يا أبا عبد الله، ثم دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي والي مكة وهو يقول:

كم نرى ناصحا يقول فيعصى ... وظنين المغيب يلفى نصيحا

فقال: وما ذاك. فأخبره بما قال للحسين، فقال: نصحت له ورب الكعبة.

يزيد يستعد

مخ ۳۷۲