339

مروج الذهب او معدن جواهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

كان من أخلاق معاوية أنه كان يأذن في اليوم والليلة خمس مرات: كان إذا صلى الفجر جلس للقاص حتى يفرغ من قصصه، ثم يدخل فيؤتى بمصحفه فيقرأ جزأه، ثم يدخل منزله فيأمر وينهى، ثم يصلي أربع ركعات، ثم يخرج إلى مجلسه، فيأذن لخاصة الخاصة. فيحدثهم ويحدثونه، ويدخل عليه وزراؤه فيكلمونه فيما يريدون من يومهم إلى العشي، ثم يؤتى بالغداء الأصغر، وهو فضلة عشائه من جدي بارد أو فرخ أو ما يشبهه، ثم يتحدث طويلا، ثم يدخل منزله لما أراد، ثم يخرج فيقول: يا غلام أخرج الكرسي، فيخرج إلى المسجد فيوضع فيسند ظهره إلى المقصورة ويجلس على الكرسي، ويقوم الأحراس فيتقدم إليه الضعيف والأعرابي والصبي والمرأة ومن لا أحد له، فيقول: ظلمت، فيقول: أعزوه، ويقول: عدي علي، فيقول: أبعثوا معه، ويقول: صنع بي، فيقول : انظروا في أمره، حتى إذا لم يبقى أحد دخل فجلس على السرير، ثم يقول: ائذنوا للناس على قدر منازلهم، ولا يشغلني أحد عن رد السلام، فيقال: كيف أصبح أمير المؤمنين أطال الله بقاءه؟ فيقول: بنعمة من الله، فإذا استووا جلوسا قال: يا هؤلاء، إنما سميتم أشرافا لأنكم شرفتم من دونكم بهذا المجلس، ارفعوا إلينا حوائج من لا يصل إلينا، فيقوم الرجل فيقول: استشهد فلان، فيقول: افرضوا لولده، ويقول آخر: غاب فلان عن أهله، فيقول: تعاهدوهم، أعطوهم، اقضوا حوائجهم، اخدموهم، ثم يؤتى بالغداء، ويحضر الكاتب فيقوم عند رأسه ويقدم الرجل فيقول له: اجلس على المائدة، فيجلس، فيمد يده فيأكل لقمتين أو ثلاثا والكاتب يقرأ كتابه فيأمر فيه بأمره، فيقال: يا عبد الله أعقب، فيقوم ويتقدم آخر، حتى يأتي على أصحاب الحوائج كلهم، وربما قدم عليه من أصحاب الحوائج أربعون أو نحوهم على قدر الغداء، ثم يرفع الغداء ويقال للناس: أجيزوا، فينصرون، فيدخل منزله، فلا يطمع فيه طامع، حتى ينادي بالظهر ، فيخرج فيصلي ثم يدخل فيصلي أربع ركعات، ثم يجلس فيأذن لخاصة الخاصة، فإن كان الوقت وقت شتاء أتاهم بزاد. الحاج من الأخبصة اليابسة والخشكنانج والأقراص المعجونه باللبن والسكر ودقيق السميذ والكعك المسمن والفواكه اليابسة والذانجوج وإن كان وقت صيف أتاهم بالفواكه الرطبة، ويخل إليه وزراؤه فيؤامرونه فيما احتاجوا إليه بقية يومهم، ويجلس إلى العصر، ثم يخرج فيصلي - العصر، ثم يدخل إلى منزله فلا يطمع فيه طامع، حتى إذا كان في آخر أوقات العصر خرج فجلس على سريره ويؤذن للناس على منازلهم، فيؤتى بالعشاء فيفرغ منه مقدار ما ينادي بالمغرب، ولا ينادي له أصحاب الحوائج، ثم يرفع العشاء وينادي بالمغرب فيخرج فيصليها ثم يصلي بعدها ؟أربع ركعات يقرأ في كل ركعة خمسين آية يجهر تارة ويخافت أخرى، ثم يدخل منزله فلا يطمع فيه طامع حتى ينادي بالعشاء الآخرة، فيخرج كي يصلي، ثم يؤذن للخاصة وخاصة الخاصة والوزراء والحاشية، فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطرف الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك لاأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم.

وقد كان هم بأخلاقه جماعة بعده مثل عبد الملك بن مروان وغيره فلم يدركوا حلمه، ولا إتقانه للسياسة، ولا التأتي للأمور، ولا مداراته للناس على منازلهم، ورفقه بهم على طبقاتهم.

من دهاء معاوية:

مخ ۳۶۱