مختصر المعاني
مختصر المعاني
(و) انما قيد بقوله مع قرينة عدم ارادته لتخرج (الكناية) لانها مستعملة في غير ما وضعت له مع جواز ارادة ما وضعت له (وكل منهما) أي من الحقيقة والمجاز (لغوى وشرعي وعرفي خاص) وهو ما يتعين ناقله كالنحوي والصرفى وغير ذلك (أو) عرفى (عام) لا يتعين ناقله. وهذه القسمة في الحقيقة بالقياس إلى الواضع فان كان واضعها واضع اللفظ واللغة فلغوية وان كان الشارع فشرعية وعلى هذا القياس وفى المجاز باعتبار الاصطلاح الذى وقع الاستعمال في غير ما وضعت له في ذلك الاصطلاح فان كان هو اصطلاح اللغة فالمجاز لغوى وان كان اصطلاح الشرع فشرعي والا فعرفى عام أو خاص (كاسد للسبع) المخصوص (والرجل الشجاع) فانه حقيقة لغوية في السبع مجاز لغوى في الرجل الشجاع (والصلاة للعبادة) المخصوصة (والدعاء) فانها حقيقة شرعية في العبادة ومجاز شرعى في الدعاء (وفعل للفظ) المخصوص اعني ما دل على معنى في نفسه مقترنا باحد الازمنة الثلاثة (والحدث) فانه حقيقة عرفية خاصة أي نحوية في اللفظ مجاز نحوى في الحدث (ودابة لذوى الاربع والانسان) فانها حقيقة عرفية عامة في الاول مجاز عرفى عام في الثاني. (والمجاز مرسل ان كانت العلاقة) المصححة (غير المشابهة) بين المعنى المجازى والمعنى الحقيقي (والا فاستعارة) فعلى هذا الاستعارة هي اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الاصلى لعلاقة المشابهة كاسد في قولنا رأيت اسدا يرمى (وكثيرا ما تطلق الاستعارة) على فعل المتكلم اعني (على استعمال اسم المشبه به في المشبه). فعلى هذا تكون بمعنى المصدر ويصح منه الاشتقاق (فهما) أي المشبه به والمشبه (مستعار منه ومستعار له واللفظ) أي لفظ المشبه به (مستعار) لانه بمنزلة اللباس الذى استعير من احد فالبس غيره (والمرسل) وهو ما كانت العلاقة غير المشابهة (كاليد) الموضوعة للجارحة المخصوصة إذا استعملت (في النعمة) لكونها بمنزلة العلة الفاعلية للنعمة لان النعمة منها تصدر وتصل إلى المقصود بها (و) كاليد في (القدرة) لان اكثر ما يظهر سلطان القدرة يكون في اليد وبها يكون الافعال الدلالة على القدرة من البطش والضرب والقطع والاخذ وغير ذلك. (والرواية) التى هي في الاصل اسم للبعير الذى يحمل المزادة إذا استعملت (في المزادة) أي المزود الذى يجعل فيه الزاد أي الطعام المتخذ للسفر والعلاقة كون البعير حاملا لها وهى بمنزلة العلة المادية، ولما اشار بالمثال إلى بعض انواع العلاقة اخذ في التصريح بالبعض الآخر من انواع العلاقات فقال. (ومنه) أي من المرسل (تسمية الشئ باسم جزئه) في هذه العبارة نوع من التسامح أي عند اطلاقه على نفس ذلك الشئ لا نفس التسمية مجازا، (كالعين) وهى الجارحة المخصوصة (في الربيئة) وهى الشخص الرقيب والعين جزء منه. ويجب ان يكون الجزء الذى يطلق على الكل مما يكون له من بين الاجزاء مزيد اختصاص بالمعنى الذى قصد بالكل مثلا لا يجوز اطلاق اليد أو الاصبع على الربيئة (وعكسه) أي ومنه عكس المذكور يعنى تسمية الشئ باسم كله (كالاصابع) المستعملة (في الانامل) التى هي اجزاء من الاصابع في قوله تعالى يجعلون اصابعهم في آذانهم، (وتسميته) أي ومنه تسمية الشئ (باسم سببه نحو رعينا الغيث) أي النبات الذى سببه الغيث (أو) تسمية الشئ باسم (مسببه نحو امطرت السماء نباتا) أي غيثا لكون النبات مسببا عنه، واورد في الايضاح في امثلة تسمية السبب باسم المسبب في قولهم فلان اكل الدم أي الدية المسببة عن الدم وهو سهو. بل هو من تسمية المسبب باسم السبب (أو ما كان عليه) أي تسمية الشئ باسم الشئ الذى كان هو عليه في الزمان الماضي لكنه ليس عليه الآن (نحو قوله تعالى وآتوا اليتامى اموالهم،) أي الذين كانوا يتامى قبل ذلك إذ لا يتم بعد البلوغ أو تسمية الشئ باسم (ما يؤل) ذلك الشئ (إليه) في الزمان المستقبل (نحو انى ارانى اعصر خمرا) أي عصيرا يؤل إلى الخمر (أو) تسمية الشئ باسم (محله نحو فليدع ناديه) أي اهل ناديه الحال فيه. والنادى المجلس (أو) تسمية الشئ باسم (حاله) أي باسم ما يحل في ذلك الشئ (نحو واما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله أي في الجنة) التى تحل فيها الرحمة (أو) تسمية الشئ باسم (آلته نحو واجعل لى لسان صدق في الآخرين، أي ذكرا حسنا) واللسان اسم لآلة الذكر ولما كان في الاخيرين نوع خفاء صرح به في الكتاب. فان قيل قد ذكر في مقدمة هذا الفن ان مبنى المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم وبعض انواع العلاقة بل اكثرها لا يفيد اللزوم فكيف ذلك. قلنا ليس معنى اللزوم ههنا امتناع الانفكاك في الذهن أو الخارج بل تلاصق واتصال ينتقل بسببه من احدهما إلى الآخر في الجملة وفى بعض الاحيان. وهذا متحقق في كل امرين بينهما علاقة وارتباط (والاستعارة) وهى مجاز تكون علاقته المشابهة أي قصد ان الاطلاق بسبب المشابهة فإذا اطلق المشفر على شفة الانسان فان قصد تشبيهها بمشفر الابل في الغلظ فهو استعارة وان اريد انه من اطلاق المقيد على المطلق كاطلاق المرسن على الانف من غير قصد إلى التشبيه فمجاز مرسل فاللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد قد يكون استعارة وقد يكون مجازا مرسلا والاستعارة (قد تقيد بالتحقيقية) ليتميز عن التخييلية والمكنى عنها (لتحقق معناها) أي ما عنى بها واستعملت هي فيه (حسا أو عقلا) بان يكون اللفظ قد نقل إلى امر معلوم يمكن ان ينص عليه ويشار إليه اشارة حسية أو عقلية فالحسى (كقوله لدى اسد شاكى السلاح) أي تام السلاح (مقذف أي رجال شجاع) أي قذف به كثيرا إلى الوقائع. وقيل قذف باللحم ورمى به فصار له جسامة ونبالة فالاسد ههنا مستعار للرجل الشجاع وهو امر متحقق حسا (وقوله) أي والعقلي كقوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم أي الدين الحق) وهو ملة الاسلام وهذا امر متحقق عقلا. قال المصنف رحمه الله فالاستعارة ما تضمن تشبيه معناه بما وضع له. والمراد بمعناه ما عنى باللفظ واستعمل اللفظ فيه. فعلى هذا يخرج من تفسير الاستعارة نحو زيد اسد ورأيت زيدا اسدا ومررت بزيد اسد مما يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له وان تضمن تشبيه شئ به وذلك لانه إذا كان معناه عين المعنى الموضوع له لم يصح تشبيه معناه بالمعنى الموضوع له لاستحالة تشبيه الشئ بنفسه على ان ما في قولنا ما تضمن عبارة عن المجاز بقرينة تقسيم المجاز إلى الاستعارة وغيرها واسد في الامثلة المذكورة ليس بمجاز لكونه مستعملا فيما وضع له. وفيه بحث لانا لا نسلم انه مستعمل فيما وضع له بل في معنى الشجاع فيكون مجازا أو استعارة كما في رأيت اسدا يرمى بقرينة حمله على زيد. ولا دليل لهم على ان هذا على حذف اداة التشبيه وان التقدير زيد كاسد، واستدلالهم على ذلك بانه قد اوقع الاسد على زيد. ومعلوم ان الانسان لا يكون اسدا فوجب المصير إلى التشبيه بحذف ادانه قصدا إلى المبالغة فاسد لان المصير إلى ذلك انما يجب إذا كان اسد مستعملا في معناه الحقيقي واما إذا كان مجازا عن الرجل الشجاع فحمله على زيد صحيح. ويدل على ما ذكرنا ان المشبه به في مثل هذا المقام كثيرا ما يتعلق به الجار والمجرور كقوله اسد على وفى الحروب نعامة أي مجترى، صائل على وكقوله والطير اغربه على اي باكية وقد استوفينا ذلك في الشرح، واعلم انهم قد اختلفوا في ان الاستعارة مجاز لغوى أو عقلي فالجمهور على انها مجاز لغوى بمعنى انها لفظ استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة. (ودليل انها) أي الاستعارة (مجاز لغوى كونها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا للاعم منهما) أي من المشبه والمشبه به فاسد في قولنا رأيت اسدا يرمى موضوع للسبع المخصوص لا للرجل الشجاع ولا لمعنى اعم من السبع والرجل الشجاع كالحيوان المجترى، مثلا ليكون اطلاقه عليهما حقيقة كاطلاق الحيوان على الاسد والرجل الشجاع وهذا معلوم بالنقل عن ائمة اللغة قطعا فاطلاقه على المشبه وهو الرجل الشجاع اطلاق على غير ما وضع له مع قرينة مانعة عن ارادة ما وضع له فيكون مجازا لغويا. وفى هذا الكلام دلالة على لفظ العام إذا اطلق على الخاص لا باعتبار خصوصه بل باعتبار عمومه فهو ليس من المجاز في شئ كما إذا لقيت زيدا فقلت لقيت رجلا أو انسانا أو حيوانا بل هو حقيقة إذ لم يستعمل اللفظ الا في معناه الموضوع له. (وقيل انها) أي الاستعارة (مجاز عقلي بمعنى ان التصرف في امر عقلي لا لغوى لانها لما لم تطلق على المشبه الا بعد ادعاء دخوله) أي دخول المشبه (في جنس المشبه به) بان جعل الرجل الشجاع فردا من افراد الاسد (كان استعمالها) أي الاستعارة في المشبه استعمالا (فيما وضعت له) وانما قلنا انها لم تطلق على المشبه الا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به لانها لو لم تكن كذلك لما كانت استعارة لان مجرد نقل الاسم لو كانت استعارة لكانت الاعلام المنقولة استعارة ولما كانت الاستعارة ابلغ من الحقيقة إذ لا مبالغة في اطلاق الاسم المجرد عاريا من معناه. ولما صح ان يقال لمن قال رأيت اسدا واراد به زيدا انه جعله اسدا كما لا يقال لمن سمى ولده اسدا انه جعله اسدا إذ لا يقال جعله اميرا الا وقد اثبت فيه صفة الامارة وإذا كان نقل اسم المشبه به إلى المشبه تبعا لنقل معناه إليه بمعنى انه اثبت له معنى الاسد الحقيقي ادعاء ثم اطلق عليه اسم الاسد كان الاسد مستعملا فيما وضع له فلا يكون مجازا لغويا بل عقليا بمعنى ان العقل جعل الرجل الشجاع من جنس الاسد وجعل ما ليس في الواقع واقعا مجاز عقلي. (ولهذا) أي ولان اطلاق اسم المشبه به على المشبه انما يكون بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به (صح التعجب في قوله قامت تظللنى) أي توقع الظل على. (من الشمس نفس اعز على من نفسي، قامت تظلنى ومن عجب، شمس) أي غلام كالشمس في الحسن والبهاء (تظللنى من الشمس) فلو لا انه ادعى لذلك الغلام معنى الشمس الحقيقي وجعله شمسا على الحقيقة لما كان لهذا التعجب معنى إذ لا تعجب في ان يظل انسان حسن الوجه انسانا آخر (والنهى عنه) أي ولهذا صح النهى عن التعجب في قوله (لا تعجبوا من بلى غلالته) هي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع ايضا.
مخ ۲۲۳