63

(والمراد) بالتشبيه المصطلح عليه (ههنا) أي في علم البيان (ما لم يكن) أي الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى بحيث لا يكون (على وجه الاستعارة التحقيقية) نحو رأيت اسدا في الحمام (ولا على) وجه (الاستعارة بالكناية) نحو انشبت المنية اظفارها (و) لا على وجه (التجريد) الذى يذكر في علم البديع من نحو لقيت بزيد اسدا أو لقيني منه اسد فان في هذه الثلثة دلالة على مشاركة امر لامر في معنى مع ان شيءا منها لا يسمى تشبيها اصطلاحا. وانما قيد الاستعارة بالتحقيقية والكناية لان الاستعارة التخييلية كاثبات الاظفار للمنية في المثال المذكور ليس في شئ من الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى على رأى المصنف إذا المراد بالاظفار ههنا معناها الحقيقي على ما سيجئ فالتشبيه الاصطلاحي هو الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى لا على وجه الاستعارة التحقيقية والاستعارة بالكناية والتجريد (فدخل فيه نحو قولنا زيدا اسدا) بحذف اداة التشبيه (و) نحو (قوله تعالى صم بكم عمى،) بحذف الاداة والمشبه جميعا أي هم كاصم. فان المحققين على انه تشبيه بليغ لا استعارة لان الاستعارة انما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له بالكلية ويجعل الكلام خلو عنه صالحا لان يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لو لا دلالة الحال أو فحوى الكلام. (والنظر ههنا في اركانه) أي البحث في هذا المقصد عن اركان التشبيه المصطلح عليه. (وهى) اربعة (طرفاه) أي المشبه والمشبه به (ووجهه واداته وفى الغرض منه وفى اقسامه) واطلاق الاركان على الاربعة المذكورة اما باعتبار انها مأخوذة في تعريفه عنى الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى بالكاف ونحوه واما باعتبار ان التشبيه في الاصطلاح كثيرا ما يطلق على الكلام الدال على المشاركة المذكور كقولنا زيد كالاسد في الشجاعة. ولما كان الطرفان هما الاصل والعمدة في التشبيه لكون الوجه معنى قائما بهما والاداة آلة في ذلك قدم بحثهما فقال (طرفاه) أي المشبه والمشبه به (اما حسيان كالخد والورد) في المبصرات (والصوت الضعيف والهمس) أي الصوت الذى اخفى حتى كأنه لا يخرج عن فضاء الفم في المسموعات (والنكهة) وهى ريح الفم (والعنبر) في المشمومات (والريق والخمر) في المذوقات (والجلد الناعم والحرير) في الملموسات. وفى اكثر ذلك تسامح لان المدرك بالبصر مثلا انما هو لو الخد والورد وبالشم رائحة العنبر وبالذوق طعم الريق والخمر وباللمس ملاسة الجلد الناعم والحرير وليتهما لا نفس هذه الاجسام لكن اشتهر في العرف ان يقال ابصرت الورد وشممت العنبر وذقت الخمر ولمست الحرير (أو عقليان كالعلم والحياة) ووجه الشبه بينهما كونهما جهتى ادراك كذا في المفتاح والايضاح. فالمراد بالعلم ههنا الملكة التى يقتدر بها على الادراكات الجزئية لانفس الادراك. ولا يخفى انها جهة وطريق إلى الادراك كالحياة. وقيل وجه الشبه بينهما الادراك إذ العلم نوع من الادراك والحياة مقتضية للحس الذى هو نوع من الادراك وفساده واضح لان كون الحياة مقتضية للحس لا يوجب اشتراكهما في الادراك على ما هو شرط في وجه الشبة. وايضا لا يخفى ان ليس المقصود من قولنا العلم كالحياة والجهل كالموت ان العلم ادراك كما ان الحياة معها ادراك بل ليس في ذلك كثير فائدة كما في قولنا العلم كالحس في كونهما ادراكا (أو مختلفان) بان يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا (كالمنية والسبع) فان المنية أي الموت عقلي لانه عدم الحياة عما من شانه الحياة والسبع حسى أو بالعكس (و) ذلك مثل (العطر) الذى هو محسوس مشموم (وخلق كريم) وهو عقلي لانه كيفيه نفسانية يصدر عنها الافعال بسهولة. والوجه في تشبيه المحسوس بالمعقول ان يقدر المعقول محسوسا ويجعل كالاصل لذلك المحسوس على طريق المبالغة والا فالمحسوس اصل للمعقول لان العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها فتشبيهه بالمعقول يكون من جعل الفرع اصلا والاصل فرعا وذلك لا يجوز. ولما كان من المشتبه والمشبه به ما لا يدرك بالقوة العاقلة ولا بالحس اعني الحس الظاهر مثل الخياليات والوهميات والوجدانيات اراد ان يجعل الحسى والعقلي بحيث يشملانها تسهيلات للضبط بتقليل الاقسام فقال. (والمراد بالحسى المدرك هو ان مادته باحدى الحواس الخمس الظاهرة) اعني البصر والسمع والشم والذوق واللمس (فدخل فيه) أي في الحس بسبب زيادة قولنا أو مادته (الخيالي) وهو المعدوم الذى فرض مجتمعما من امور كل واحد منها مما يدرك بالحس (كما في قوله وكأن محمر الشقيق) هو من باب جرد قطيفة والشقيق ورد احمر في وسط سواد ينبت بالجبال (إذا تصوب) أي مال إلى السفل (أو تصعد) أي مال إلى العلو (اعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد) فان كلا ن العلم والياقوت والرمح لزبرجد محسوس لكن المركب الذى هذه الامور مادته ليس بمحسوس لانه ليس بموجود والحس لا يدرك الا ما هو موجود في المادة حاضر عند المدرك على هيئة مخصوصة. (و) المراد (بالعقلى ما عدا ذلك) أي مالا يكون هو ولا مادته مدركا باحدى الحواس الخمس الظاهر (فدخل فيه الوهمي) أي الذى لا يكون للحس مدخل فيه (أي ما هو غير مدرك بها) أي باحدى الحواس المذكورة (و) لكنه بحيث (لو ادرك لكان مدركا بها) وبهذا القيد يتميز عن العقلي (كما في قوله) ايقتلنى والمشرفي مضاجعي. (ومسنونة زرق كانياب اغوال) أي ايقتلنى ذلك الرجل الذى يوعدني والحال ان مضاجعي سيف منسوب إلى مشارف اليمن وسهام محددة النصال صافية مجلوة. وانياب الاغوال مما لا يدركها الحس لعدم تحققها مع انها لو ادركت لم تدرك الا بحس البصر. ومما يجب ان يعلم في هذا المقام ان من قوى الادراك ما يسمى متخلية ومفكرة ومن شانها تركيب الصور والمعاني وتفصيلها والتصرف فيها واختراع اشياء لا حقيقة لها. والمراد بالخيالى المعدوم الذى ركبته المتخلية من الامور التى ادركت بالحواس الظاهرة وبالوهمى ما اخترعته المتخلية من عند نفسها كما إذا سمع ان الغول شئ تهلك به النفوس كالسبع فاخذت المتخيلة في تصويرها بصورة السبع واختراع ناب لها كما للسبع (وما يدرك بالوجدان) أي ودخل ايضا في العقلي ما يدرك بالقوى الباطنة ويسمى وجدانيا (كاللذة) وهى ادراك ونيل لما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك (والالم) وهو ادراك ونيل لما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك. ولا يخفى ان ادراك هذين المعنيين ليس بشئ من الحواش الظاهرة وليسا ايضا من العقليات الصرفة لكونهما من الجزئيات المستندة إلى الحواس بل هما من الوجدانيات المدركة بالقوى الباطنة كالشبع والجوع والفرح والغم والغضب والخوف وما شاكل ذلك والمراد ههنا اللذة والالم الحسيان والا فاللذة والالم العقليان من قليات الصرفة. (ووجهه) أي وجه الشبه (ما يشتركان فيه) أي المعنى الذى قصد اشتراك الطرفين فيه وذلك ان زيدا والاسد يشتركان في كثير من الذاتيات وغيرها كالحيوانية والجسمية والوجود وغير ذلك مع ان شيءا منها ليس وجه الشبه وذلك الاشتراك يكون (تحقيقيا أو تخييليا. والمراد ان لا يوجد ذلك المعنى في احد الطرفين أو في كليهما الا على سبيل التخييل والتأويل (نحو ما في قوله وكأن النجوم بين دجاه) جمع دجية وهى الظلمة والضمير لليل وروى دجاها والضمير للنجوم (سنن لاح بينهن ابتداع. فان وجه الشبه فيه) أي في هذا التشبيه (هو الهيئة الحاصلة من حصول اشياء مشرقة بيض في جانب شئ مظلم اسود فهى) أي تلك الهيئة (غير موجودة في المشبه به) اعني السنن بين الابتداع (الا على طريق التخييل ) أي وجودها في المشبه به على طريق التخييل (انه) الضمير للشان (لما كانت البدعة وكل ما هو جهل يجعل صاحبها كمن يمشى في الظلمة فلا يهتدى إلى الطريق ولا يأمن من ان ينال مكروها شبهت) أي البدعة وكل ما هو جهل (بها) أي بالظلمة (ولزم بطريق العكس) إذا اريد التشبيه (ان تشبه السنة وكل ما هو علم بالنور) لان السنة والعلم يقابل البدعة والجهل كما ان النور يقابل الظلمة. (وشاع ذلك) ان كون السنة والعلم كالنور والبدعة والجهل كالظلمة (حتى تخيل ان الثاني) أي السنة وكل ما هو علم (مما له بياض واشراق نحو اتيتكم بالحنفية البيضاء والاول على خلاف ذلك) أي يخيل ان البدعة وكل ما هو جهل مما له سواد واظلام (كقولك شاهد سواد الكفر من جبين فلان فصار) بسبب التخيل ان الثاني ماله بياض واشراق والاول مما له سواد واظلام (تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كتشبيها) أي النجوم (يبياض الشيب في سواد الشباب) أي ابيضه في اسوده (أو بالانوار) أي الازهار (مؤتلقة) بالقاف أي لامعة (بين النبات الشديدة الخضرة) حتى تضرب إلى السواد. فهذا التأويل اعني تخييل ما ليس بمتلون متلونا ظهر اشتراك النجوم بين الدجى والسنن بين الابتداع في كون كل منهما شيءا ذا بياض بين شئ ذى سواد. ولا يخفى ان قوله لاح بينهن ابتداع من باب القلب أي سنن لاحت بين الابتداع (فعلم) من وجوب اشتراك الطرفين في وجه التشبيه (فساد جعله) أي وجه الشبه (في قول القائل النحو في الكلام كالملح في الطعام كون القليل مصلحا والكثير مفسدا) لان المشبه اعني النحو لا يشترك في هذا المعنى (لان النحو لا يحتمل القلة والكثرة). إذ لا يخفى ان المراد به ههنا رعاية قواعده واستعمال احكامه مثل رفع الفاعل ونصب المفعول وهذه ان وجدت في الكلام بكما لها صار صالحا لفهم المراد وان لم توجد بقى فاسدا ولم ينتفع به (بخلاف الملح) فانه يحتمل القلة والكثرة بان يجعل في الطعام القدر الصالح منه أو اقل أو اكثر بل وجه الشبه هو الشبه هو الصلاح باعمالهما والفساد باهمالهما. (وهو) أي وجه الشبه (اما غير خارج عن حقيقتهما) أي حقيقة الطرفين بان يكون تمام ماهيتهما أو جزء منهما (كما في تشبيه ثوب بآخر في نوعهما أو جنسهما أو فصلهما) كما يقال هذا القميص مثل ذاك في كونهما كرباسا أو ثوبا أو من القطن (أو خارج) عن حقيقة الطرفين (صفة) أي معنى قائم بهما ضرورة اشتراكهما فيه وتلك الصفة (اما حقيقية) أي هيئة متمكنة في الذات متقررة فيها (و) هي (اما حسية) أي مدركة باحدى الحواس الظاهرة وهى (كالكيفيات الجسمية) أي المختصة بالاجسام (مما يدرك بالبصر) وهى قوة مرتبة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان فتفترقان إلى العينين (من الالوان والاشكال) والشك هيئة احاطة نهاية واحدة أو اكثر بالجسم كالدائرة ونصف الدائرة والمثلث والمربع وغير ذلك (والمقادير) جمع مقدار وهو كم متصل قار الذات كالخط والسطح (والحركات) والحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج. وفى جعل المقادير والحركات من الكيفيات تسامح (وما يتصل بها) أي بالمذكورات كالحسن والقبح المتصف بهما الشخص باعتبار الخلقة التى هي مجموع الشكل واللون وكالضحك والبكاء الحاصلين باعتبار الشكل والحركة (أو بالسمع) عطف على قوله بالبصر وهى قوة رتبت في العصب المفروش على سطح باطن الصماخين تدرك بها الاصوات (من الاصوات الضعيفة والقوية والتى بين بين) والصوت يحصل من التموج المعلول للقرع الذي هو امساس عنيف والقدح الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع ويختلف الصوت قوة وضعفا بحسب قوة المقاومة وضعفها (أو بالذوق) وهى قوة منبثتة في العصب المفروش على جرم اللسان (من الطعوم) كالحلاوة والمرارة والملوحة والحموضة وغير ذلك (أو بالشم) وهى قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ المشبهتين بحلمتي الثدى (من الروايح أو باللمس) وهى قوة سارية في البدن كله يدرك بها الملموسات (من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). هذه الاربعة هي اوائل الملموسات فالاوليان منها فعليان والاخريان منها انفعاليان (والخشونة) وهى كيفية حاصلة من كون بعض الاجزاء اخفض وبعضها ارفع (والملاسة) وهى كيفية حاصلة عن استواء وضع الاجزاء (واللين) وهى كيفية بها يقتضى الجسم قبول الغمز إلى الباطن ويكون للشئ بها قوام غير سيال (والصلابة) وهى تقابل اللين (والخفة) وهى كيفية بها يقتضى الجسم ان يتحرك إلى صوب المحيط لو لم يعقه عائق (والثقل) وهى كيفية بها يقتضى الجسم ان يتحرك إلى صوب المركز لو لم يعقه عائق (وما يتصل بها) أي بالمذكورات كالبة والجفاف والزوجة والهشاشة واللطافة والكثافة وغير ذلك (أو عقلية) عطف على حسية (كالكيفيات النفسانية) أي المختصة بذوات الانفس (من الذكاء) وهى شدة قوة للنفس معدة لاكتساب الاراء. (والعلم) وهو الادراك المفسر بحصول صورة الشئ عند العقل وقد يقال على معان اخر. (والغضب) وهو حركة للنفس مبدؤها ارادة الانتقام. (والحلم) وهو ان تكون النفس مطمئنة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة ولا تضطرب عند اصابة المكروه. (وسائر الغرائز) جمع غريزة وهى الطبيعة اعني ملكة تصدر عنها صفات ذاتية مثل الكرم والقدرة والشجاعة وغير ذلك. (واما اضافية) عطف على قوله اما حقيقية. ونعنى بالاضافية ما لا تكون له هيئة متقررة في الذات بل تكون معنى متعلقا بشيءين (كازالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس) فانها ليست هيئة متقررة في ذات الحجة والشمس ولا في ذات الحجاب وقد يقال الحقيقي على ما يقابل الاعتباري الذى لا تحقق له الا بحسب اعتبار العقل. وفى المفتاح اشارة إلى انه المراد ههنا حيث قال الوصف العقلي منحصر بين حقيقي كالكيفيات النفسانية وبين اعتباري ونسبي كاتصاف الشئ بكونه مطلوب الوجود أو العدم عند النفس أو كاتصافه بشئ تصوري وهمى محض (وايضا) لوجه الشبه تقسيم آخر وهو انه (اما واحد واما بمنزلة الواحد لكونه مركبا من متعدد) تركيبا حقيقيا بأن يكون وجه الشبه حقيقة ملتئمة من امور مختلفة أو اعتباريا بان يكون هيئة انتزعها العقل من عدة امور. (وكل منهما) أي من الواحد وما هو بمنزلته (حسى أو عقلي واما متعدد) عطف على قوله اما واحد واما بمنزلة الواحد، والمراد بالمتعدد ان ينظر إلى عدة امور ويقصد اشتراك الطرفين في كل واحد منها ليكون كل منها وجه الشبه بخلاف المركب المنزل منزلة الواحد فانه لم يقصد اشتراك الطرفين في كل من تلك الامور بل في الهيئة المنتزعة أو في الحقيقة الملتئمة منها (كذلك) أي المتعدد ايضا حسى أو عقلي (أو مختلف) بعضه حسى وبعضه عقلي. (والحسى) من وجه التشبيه سواء كان بتمامه حسيا أو ببعضه (طرفاه حسيان لاغير) أي لا يجوز ان يكون كلاهما أو احدهما عقليا (لامتناع ان يدرك بالحس من غير الحسى شئ) فان وجه الشبه امر مأخوذ من الطرفين موجود فيهما والموجود في العقلي انما يدرك بالعقل دون الحس إذا المدرك بالحس لا يكون الا جسما أو قائما بالجسم. (والعقلي) من وجه الشبه (اعم) من الحسى (لجواز ان يدرك بالعقل من الحسى شئ) أي يجوز ان يكون طرفاه حسيين أو عقليين أو احدهما حسيا والاخر عقليا إذ لا امتناع في قيام المعقول بالمحسوس وادراك العقل من المحسوسات شيءا (ولذلك يقال التشبيه بالوجه العقلي اعم) من التشبيه بالوجه الحسى بمعنى ان كلما يصح فيه التشبيه بالوجه الحسى يصح بالوجه العقلي من غير عكس. (فان قيل هو) أي وجه الشبه (مشترك فيه) ضرورة اشتراك الطرفين فيه (فهو كلى) ضرورة ان الجزئي يمتنع وقوع الشركة فيه (والحسى ليس بكلى) قطعا ضرورة ان كل حسى فهو موجود في المادة حاضر عند المدرك ومثل هذا لا يكون الا جزئيا ضرورة فوجه الشبه لا يكون حسيا قط. (قلنا المراد) بكون وجه الشبه حسيا (ان افراده) أي جزئياته (مدركة بالحس) كالحمرة التى تدرك بالبصر جزئياتها الحاصلة في المواد، فالحاصل ان وجه الشبه اما واحد أو مركب أو متعدد وكل من الاولين اما حسى أو عقلي والاخير اما حسى أو عقلي أو مختلف تصير سبعة والثلاثة العقلية طرفاها اما حسيان أو عقليان أو المشبه حسى والمشبه به عقلي أو بالعكس فصارت ستة عشر قسما (الواحد الحسى كالحمرة) من المبصرات (والخفاء) يعنى خفاء الصوت من المسموعات (وطيب الرائحة) من المشمومات (ولذة الطعم) من المذوقات (ولين اللمس) من الملموسات (فيما مر) أي في تشبيه الخد بالورد والصوت الضعيف بالهمس والنكهة بالعنبر والريق بالخمر والجلد الناعم بالحرير وفى كون الخفأ من المسموعات والطيب من المشمومات واللذة من المذوقات تسامح (و) الواحد (العقلي كالعراء عن الفائدة والجرأة) على وزن الجرعة أي الشجاعة. وقد يقال جزء الرجل جرائة بالمد (والهداية) أي الدلالة إلى طريق يوصل إلى المطلوب (واستطابة النفس في تشبيه وجود الشئ العديم النفع بعدمه) فيما طرفاه عقليان إذ الوجود والعدم من الامور العقلية (و) تشبيه (الرجل الشجاع بالاسد) فيما طرفاه حسيان. (و) تشبيه (العلم بالنور) فيما المشبه عقلي والمشبه به حسى فبالعلم يوصل إلى المطلوب ويفرق بين الحق والباطل كما ان بالنور يدرك المطلوب ويفصل بين الاشياء فوجه الشبه بينهما الهداية. (و) تشبيه (العطر بخلق) شخص (كريم) فيما المشبه حسى والمشبه به عقلي ولا يخفى ما في الكلام من اللف والنشر وفى وحدة بعض الامثلة تسامح لما فيه شائبة التركيب كالعراء عن الفائدة مثلا (والمركب الحسى) من وجه الشبه طرفاه اما مفردان أو مركبان أو احدهما مفرد والآخر مركب ومعنى التركيب ههنا ان تقصد إلى عدة اشياء مختلفة فتنزع منها هيئة وتجعلها مشبها أو مشبها بها. ولهذا صرح صاحب المفتاح في تشبيه المركب بالمركب بان كلا من المشبه والمشبه به هيئة منتزعة. وكذا المراد بتركيب وجه الشبه ان تعمد إلى عدة اوصاف لشئ فتنزع منها هيئة. وليس المراد بالمركب ههنا ما يكون حقيقة مركبة من اجزاء مختلفة بدليل انهم يجعلون المشبه والمشبه به في قولنا زيد كالاسد مفردين لامركبين. ووجه الشبه في قولنا زيد كعمر وفى الانسانية واحد لا منزلا منزلة الواحد فالمركب الحسى (فيما) أي في التشبيه الذى (طرفاه مفردان كما في قوله وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى، كعنقود ملاحية) بضم الميم وتشديد اللام عنب ابيض في حبه طول وتخفيف اللام اكثر (حين نورا) أي تفتح نوره (من الهيئة) بيان لما في قوله كما (الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير في المرأى) وان كانت كبارا في الواقع حال كونها (على كيفية المخصوصة) أي لا مجتمعة اجتماع التضام والتلاصق ولا شديدة الافتراق منضمة (إلى المقدار المخصوص) من الطول والعرض فقد نظر إلى عدة اشياء وقصد إلى هيئة حاصلة منها. والطرفان مفردان لان المشبه هو الثريا والمشبه به هو العنقود مقيدا بكونه عنقود الملاحية في حال اخراج النور والتقييد لا ينافي الافراد كما سيجئ ان شاء الله تعالى. (وفيما) أي والمركب الحسى وفى التشبيه الذى (طرفاه مركبان كما في قول بشار كأن مثار النقع) من آثار الغبار هيجه (فوق رؤسنا، واسيافنا ليل تهاوى كواكبه) أي تتساقط بعضها اثر بعض والاصل تتهاوى حذفت احدى التائين (من الهيئة الحاصلة من هوى) بفتح لهاء أي سقوط (اجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شئ مظلم). فوجه الشبه مركب كما ترى وكذا الطرفان لانه لم يقصد تشبيه الليل بالنقع والكواكب بالسيوف بل عمد إلى تشبيه هيئة السيوف وقد سلت من اغمادهما وهى تعلو وترسب وتجئ وتذهب وتضطرب اضطرابا شديدا وتتحرك بسرعة إلى جهات مختلفة وعلى احوال تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض مع التلاقي والتداخل والتصادم والتلاصق.

مخ ۱۹۷