يا نفس! تطالبين بالاستقرار وأنت فى عالم الكون؟! وأى استقرار يوجد فى عالم الكون! إن الزق ما دام على ظهر الماء فلا قرار له ولا طمأنينة ألبتة. وإن استقر وقتا ما، فإن ذلك بالعرض، ثم يعود الماء إلى اضطرابه وتموجه بما على ظهره. وإنما يستقر ذلك الزق إذا أخرج من الماء وأعيد إلى الأرض التى هى ينبوعه وأصله المشاكلة له بالكثافة والثقل — فحينئذ يستقر به القرار. وكذلك النفس ما دامت فى جريان الطبيعة فلا قرار لها ولا راحة ولا طمأنينة لإتعابه إياها وخذلانه إياها وقطعه لها. فإذا عادت النفس إلى ينبوعها وأصلها استقرت وظفرت بالراحة، واستراحت من شقاء الغربة وذلها.
[chapter 4: 4] الفصل الرابع
يا نفس! إن عالم الطبيعة صفو وكدر، فتجرعى كدره قبل صفوه. وكذلك ينبغى لمن طلب السعادة أن يسوس نفسه هذه السياسة. واعلمى أن شرب الصفو بعد الكدر خير من شرب الكدر بعد الصفو، فلا تغترى بأن فى عالم الطبيعة صفوا يوجد؛ فإن وجد فيه صفو فليس هو بالحقيقة، لأن ما لا دوام له لا صفو فيه، بل كدر كله وثقل. وإنما ضربت لك مثلا. فإن أردت الشىء الصافى الهنىء فاطلبيه فى غير عالم الكون والفساد. فإنك إن طلبته فى معدنه وجدته، وإن طلبته فى غير معدنه عدمته. وإن أنت عدمت طلبك وفاتك أربك، اقترنت بك الأحزان والفقر، وأعقبك ذلك مرضا يؤديك إلى الموت من العيش العقلى والحياة الدائمة.
يا نفس! إن هذا المركب الذى قد ركبته فى هذا البحر العظيم إنما هو من أمياه تجمد وبالعرض تركب. ويوشك أن تطلع عليه الشمس فينحل إلى عنصره ويتركك جالسة على وجه الماء، إن أمكنك الجلوس: تطلبين مركبا ولا مركب تجدين إلا ما اكتسبته من جودة السباحة وحسن التهدى.
مخ ۶۹