مرقاة المفاتيح شرح مشکاة المصابیح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایډیټر
جمال عيتاني
خپرندوی
دار الكتب العلمية
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1422هـ - 2001م
د خپرونکي ځای
لبنان/ بيروت
( فقال : يا أبا هريرة ) يقرأ بالهمز ولا يكتب ( وأعطاني نعليه ) الجملة حال وهو إشارة إلى [ البشارة ] للمحبين ( فقال : ) تأكيد للأول ( اذهب بنعلي ) الباء للتعدية ( هاتين ) تأكيد للتنبيه ، ولعله عليه الصلاة والسلام حصل له التجلي الطوري في ذلك المقام النوري فخلع النعلين . وأعطى لأصحابه الكونين ، أو إيماء إلى ثباتهم على دينهم وبذلهم الجهد في السعي إليه بإقدامهم . وقال الطيبي : لعل فائدة بعثة النعلين الدلالة على صدقه وإن كان خبره مقبولا بدون ذلك ، وتخصيصهما بالارسال إما لأنه لم يكن عنده غيرهما ، وإما للإشارة إلى أن بعثته وقدومه لم يكن إلا تبشيرا وتسهيلا على الأمة ورفعا للآصار التي كانت في الأمم السابقة ، وإما للإشارة إلى ثبات القدم والاستقامة بعد الاقرار كقوله عليه الصلاة والسلام : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) والله أعلم بأسراره وأسرار أبراره . ( فمن لقيك ) أي رآك أو رأيته ( من وراء هذا الحائط ) قيد واقعي ، أو المراد إيمان غيبي يتميز به المخلص عن المنافق ( يشهد ) أي حال كونه ( أن لا إله إلا الله ) ويلزم منه شهادة أن محمدا رسول الله ( مستيقنا بها ) أي بمضمون هذه الكلمة ( قلبه ) أي منشرحا بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد والنبوة اللذين هما الإيمان الإجمالي ( فبشره بالجنة ) معناه أخبر أن من كان هذه صفته فهو من أهل الجنة ، وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقانهم ، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون النطق عند القدرة أو عند الطلب ، ولا النطق دون الإعتقاد بالإجماع بل لا بد منهما . غاية الأمر أن النطق فيه خلاف إنه شرط أو شطر [ و ] قد يسقط بعذر ، وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب كقوله : رأيت بعيني . ( فكان أول من لقيت ) أي من الناس ( عمر ) منصوب على أنه خبر كان ، وقيل : مرفوع على الأسمية وأول بالعكس ، قيل : وهو أولى لأنه وصف وهو بالخبرية أحرى ( فقال : ) مبادرا ( ما هاتان النعلان ) أي شأنهما وخبرهما ( يا أبا هريرة ؟ قلت : هاتان نعلا رسول الله بعثني بهما ) حال كوني قائلا أو مبلغا أو مأمورا بأن ( من لقيت ) أي أنا ( يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة ، فضرب عمر ) لا بد هنا من تقدير يدل عليه السياق من السباق واللحاق يعني : فقال عمر ارجع قصدا للمراجعة ، بناء على رأيه الموافق للكتاب ونطقه المطابق للصواب ، فأبيت وامتنعت عن حكمه امتثالا لظاهر أمره عليه الصلاة والسلام المقدم على كل أمر آمر فضرب عمر بيده ( بين ثديي ) بالتثنية أي في صدري فإنه يبعد كل البعد ضربه ابتداء من غير باعث ( فخررت ) بفتح الراء ( لإستي ) بهمزة وصل أي سقطت على مقعدي من شدة ضربه لي . ( فقال : ارجع يا أبا هريرة ) [ تأكيدا ] ، قال الطيبي : ( ليس فعل عمرو مراجعته النبي اعتراضا عليه وردا لأمره إذ ليس ما بعث به أبا هريرة إلا لتطييب قلوب الأمة وبشراهم ، فرأى عمر [ رضي الله عنه ] إن كتمه هذا أصلح لئلا يتكلوا ) ا ه . والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لكونه رحمة للعالمين ورحيما بالمؤمنين ومظهرا للجمال على وجه الكمال ، وطبيبا لأمته على كل حال لما بلغه خوفهم وفزعهم واضطرابهم أراد معالجتهم [ بإشارة ] البشارة لإزالة الخوف والنذارة ، فإن المعالجة بالأضداد ، ولما كان عمر مظهرا للجلال وعلم أن الغالب على الخلق التكاسل والإتكال ، فرأى أن الأصلح لأكثر الخلق المعجون المركب بل غلبة الخوف بالنسبة إليهم أنسب ، فوافقه ، وهذه مرتبة علية ومزية جلية لعمر رضي الله عنه . وأما قول ابن حجر : ( وكان وجه استباحة عمر لذلك أنه لأبي هريرة بمنزلة الشيخ والمعلم ، وللشيخ والمعلم أن يؤدب المتعلم بمثل ذلك إذا رأى منه خلاف الأدب ، وهو هنا المبادرة إلى إشاعة هذا الخبر قبل تفهم المراد من النبي مع إشكاله وما يترتب عليه من إتكال الناس وإعراضهم عن الأعمال ، وكان حقه إذا أمر بتبليغه أن يتفهم المراد به ليورده في موارده دون غيرها ، فاقتضى اجتهاد عمر أن إخلاله بذلك مقتض لتأديبه فأدبه بذلك ) فتطويل لا طائل تحته ؛ فإنه مع تسليم ما ذكر كله لا يعقل ضربه ابتداء من الشيخ الحقيقي فضلا عن غيره ، ثم قوله أيضا : ( ويحتمل أن عمر استبعد صدور هذا العموم منه عليه الصلاة والسلام بدليل قوله الآتي : ( أبعثت ) الخ ونسبه إلى تصرف أبي هريرة فأدبه لذلك ) مستبعد غاية البعد ، فإنه يؤدي إلى سوء الظن وعدم قبول خبر الواحد في الديانات ومع هذا كيف يتصور ضربه على ذلك . ثم من الغريب أنه فرع عليه أيضا بأن للأفاضل من الأتباع تأديب من دونهم إذا كانوا لهم بمنزلة التلامذة ، وإن للشيخ أن يؤدب تلميذه ولو بالضرب ، ونقل جواز ذلك عن بعض أئمته . ا ه . ولا ريب أن الضرب على عدم فهم المراد ، أو على سوء الظن من غير بيان مخالف للإجماع والله أعلم . ( فرجعت إلى رسول الله فأجهشت بالبكاء ) [ والباء للمصاحبة ، والبكاء أما لشدة الإيلام ، أو لقلة الإحترام ] ويروي جهشت بكسر الهاء وغير همز وهما صحيحان وكلاهما بصيغة الفاعل . والجهش كالإجهاش أن يفزع الإنسان إلى إنسان ويلجأ إليه ومع ذلك يريد البكاء كما يفزع الصبي إلى أمه . ( وركبني عمر ) أي أثقلني عدو عمر من بعيد خوفا واستشعارا منه ، كما يقال ركبته الديون أي أثقلته يعني تبعني عمر . ( وإذا هو ) أي عمر وإذا للمفاجأة ، وفي نسخة بالفاء بيان لوصوله إليه أي فنظرت فإذا هو ( على أثري ) فيه لغتان فصيحتان فتحهما وهو الأفصح وكسر الهمزة وسكون الثاء أي عقبي ( فقال رسول الله : مالك رجعت ) وأي شيء رجع بك على هذه الحالة المنكرة ( يا أبا هريرة ؟ قلت : ) وفي نسخة ( فقلت ) ( لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لإستي فقال : ) أي عمر ( ارجع قال : ) وفي نسخة ( فقال ) بالفاء ( رسول الله : يا عمر ما حملك على ما فعلت ؟ ) أي من الأمر بالرجوع والمنع من التبليغ ( قال ) وفي نسخة ( فقال ) ( يا رسول الله بأبي أنت وأمي ) الباء متعلقة بمحذوف ، قيل : هو اسم تقديره أنت مفدى بأبي ، وقيل : فعل أي فديتك بأبي وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الإستعمال وعلم المخاطب به . ( أبعثت أبا هريرة بنعليك ) والإستفهام للتقرير والتحقيق ( من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره ؟ ) بصيغة الماضي أي من لقيه بشره ( بالجنة قال : نعم ، قال : ) أي عمر ( فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها ) أي على هذه البشارة الإجمالية ، ويعتمد العامة على هذه الرحمة الجمالية ، ويتركوا القيام بوظائف العبودية التي تقتضي الصفات الربوبية ، وحينئذ ينخرم نظام الدنيا والعقبى حيث أكثرهم يقعون في الملة الإباحية ، كما هو مذهب بعض الجهلة من الصوفية . ( فخلهم ) من غير البشارة ( يعملون ) حال فإن العوام إذا بشروا يتركون العمل بخلاف الخواص فإنهم إذا بشروا يزيدون في العمل كما تقدم ( فقال رسول الله : فخلهم رواه مسلم ) كان المناسب لدأبه أن يقول روى الأحاديث الأربعة مسلم ، قال النووي : في الحديث اهتمام الأتباع بحال متبوعهم ، والإعتناء بتحصيل مصالحه ورفع مفاسده ، وفيه جواز دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى بذلك لمودة بينهما أو غيرها ، فإن أبا هريرة دخل الحائط وأقره النبي على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه ، وهذا غير مختص بدخول الأرض بل له انتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنه لا يشق عليه ، اتفق على ذلك السلف والخلف . قال ابن عبد البر : وأجمعوا أنه لا يتجاوز الطعام ونحوه إلى الدراهم والدنانير وأشباهها ، ولعل هذا إنما يكون في الدراهم الكثيرة التي يشك في رضاه بها ، وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي سواء كان المفدى به مسلما أو كافرا أو حيا أو ميتا .
مخ ۱۹۴