535

قلت: وقد أبطل الإمام المهدي عليه السلام كلام أبي علي بأن الجهل اعتقاد يحسن إذا طابق الحق، ويقبح إذا خالفه، وهما وجهان يقع الاعتقاد عليهما، فيقبح لوقوعه على أحدهما، مع أنه يلزم على قوله تماثل الجهالات لاتفاقها في صفة ذاتية، والمعلوم أن الجهل بكونه قادرا يخالف الجهل بكونه عالما، وأما إثباته في العدم فباطل لأن من حق القبيح وجوده على وجه يستحق فاعله الذم، وهذا لا يتم مع العدم.

وأما قوله في الجهل بالله فلو صح لصح في غيره من الجهالات لاتفاقها في عدم تغير حالها في كونها جهلا، فيلزم أن يكون كل جهل قبيح لنفسه، وأن يقبح في العدم.

قال عليه السلام : وبعد فإنا متى عرفناه جهلا عرفناه قبيحا، وإن لم نعلم أمرا سواه، ومتى لا فلا وإن عرفنا ما عرفنا، فصح أن العلة كونه جهلا كما تقدم في الظلم وغيره.

قلت: قد ظهر بما حررنا أن هذا الوجه الذي احتجوا به، وجوابه مبنيات على هذه الثلاثة الأمور، فإذا أمعنت النظر فيها فلا بد وأن تعرف الحق إن شاء الله، مع أنه لو صح أن الجهل يقبح لعينه، وأنه لا يكون غيره جهل، فلا نسلم لهم في سائر القبائح أنها تقبح لعينها، ولذا وافقهم أبو علي في الجهل، وخالفهم في غيره.

واعلم أن الأئمة وأتباعهم قد أبطلوا قول البغدادية بوجوه، ولوازم ربما ظهر بعضها من تأمل هذه الأمور، لكنا نأتي بها للتوضيح منها: أنا وجدنا كثيرا من الأفعال يقبح في حالة دون حالة، ولو قبح لعينه لقبح في كل حال؛ لأنه عين واحدة كالسجدة تحسن إذا كانت لله، وتقبح إذا كانت للصنم، ومنها أن صفة الذات ترجع إلى أفراد الذوات، فيلزم قبح كل حرف من حروف الكذب وإن لم ينضم إلى غيره، ومنها: أنه لو قبح لذاته لقبح في حال العدم بناء على مذهبهم في ثبوت الذوات، وصفتها الذاتية في العدم، ومنها: لزوم تماثل القبائح كما مر، ولا شك في اختلافها.

مخ ۵۳۸