معیار معرب
المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب
[16/2] =فأجاب: لما تقرر من قولهم المشروعات المطلوب فعلها إما أن تكون صور أفعالها كافية في المصلحة المطلوبة منها أو لا، فإن كان الفرد الأول كرد الديون والغصوب والودائع فلا يحتاج فيه إلى نية، وإن كان الثاني وهو أن لا تكون صورته كافية في تحصيل مصلحته المطلوبة من إيقاعه فلا بد فيه من النية، وذلك يتناول الأمور التعبدية كلها، فإنها شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله، والإجلال إنما يحصل بالقصد، وحيث تعرض هذه القاعدة على فعل ذكاة الحيوان المباح أكله بها تجده من المهيع الثاني، فإن الله سبحانه لما تفضل على هذا النوع البشري ومن عليه منة لا يقوم له فيها بشكر، ومن أعظمها أن خصه بالعقل الذي هو أشرف مخلوق، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا أباح له إتلاف كثير من الحيوان فيما يقوم بتغذية روحه الحيواني فلا يستبيح قطعه من لحم الحيوان المباح إلا مع القصد لاستباحته بما لا يستباح إلا به، ولولا أن في تلك الصورة الخاصة وضعا شرعيا يتعبد به ونقف عنده مع إرادة الامتثال فيه لكان الإتلاف بإنفاذ مقتل من المقاتل كافيا في تحصيل الغرض من تناول اللحم كما هو الأمر عند بعض النصارى والصابئين والمجوس، وإزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات قدر مشترك في سائر المقاتل، بل العقر بالحديد في وسط القلب أوجز في إزهاق النفس من الذكاة، فالورود على فعل الذكاة من غير نية لا تحصل به إباحة لفقد المبيح، وإنما يصير كفعل غيره من عقر المقاتل، كمن توضأ للتبرد فقصاراه حصول النظافة لا غير، لا يستبيح بذلك أداء المكتوبة ولا النافلة، فإذا تقرر أن الذكاة محض عبادة ومن ثم قالوا: بلزوم النية فيها إجماعا، فاستشكال ما يرد على ذلك من قولهم التعبد لا يفتقر إلى نية إلا إذا فعله الإنسان في نفسه أما في غيره فلا، كغسل الإناء من ولوغ الكلب، وغسل الميت، ينفصل عنه بتقييد ذلك في المثال الذي ذكرتم بكون الفعل في الغير مما لا تعلق له بتعبد الفاعل فعلا يجب إيعابه وتكملته، فإن من غسل الإناء من ولوغ الكلب غسلة واحدة وجاء غيره وأكمل الغسلات لم يكن في ذلك خلل في تطهيره وزوال لضرره، وكذلك في غسل الميت فلا يفتقر ذلك لنية لعدم قوة الملابسة بين الفعل
[16/2]
[17/2]
والفاعل ضربة واحدة بخلاف ما كان على خلاف ذلك كحج الإنسان بالصبي الصغير فإنه لا يقوم أحد أنه يحرم عنه بلا نية أو يطوف عنه أو يسعى أو يقف إن كان يطاف به في الذراع، كما انه لا يمكن أن يفتتح عنه نسكا من المناسك ثم يكمل غيره باقيها، وكذلك الذكاة لا يمكن أن يقطع الإنسان الحلقوم وآخر الأوداج، فكانت النية في مثل ذلك واجبة بخلاف المثال الي أورد أو استشكل الفرق الذي تبين بواضح الانفصال، والله الموفق للصواب بفضله، وهو المسؤول أن يديم بكم الإمتاع كما جعل للمسلمين بكم الانتفاع والسلام عليكم من محبكم ومعظمكم محمد بن قاسم العقباني.
=وأجاب عن السؤال قاضي الجزائر سيدي عبد الحق: اعلم حفظكم الله أن ما ذكرتم فيه الإجماع فقد ذكر فيه بعض الشيوخ قولين، وعلى تسليم الإجماع فتمحض العبادة فيه ظاهر، وذلك لما كان المشركون يستبيحون أكل ما لم يذك، وبعض أهل الكتاب يستبيحون الأكل بأي فعل فعلوه في الحيوان فجعل الشرع الذكاة في موضع مخصوص على جهة مخصوصة مقرونة بالتسمية، ليفارق المشركين في الذكاة، وبعض أهل الكتاب في موضع خاص، والتسمية لمن يبيحها بغير تسمية أو يسمون لأصنامهم، فمن أجل هذا كلها وجبت النية فيها إجماعا، وما ذكر أن لإزهاق النفس بسرعة أو لإخراج الفضلات، فإنما هو حكمه باعثة لذلك، والحكمة ليست بعلة على ما هو المنصوص في كتب الأئمة، هذا إذا قلنا: أن الإجماع معلل، وإذا قلنا : إنه يعلل فلا يحتاج إلى رفع ما ذكرته، وأما عدم النية في غسل الميت فالقياس عند ابن رشد وجوبها، وإن كان اتفاق أهل المذهب يأتي على غير قياس فكيف بالإجماع؟ والله تعالى أعلم.
مخ ۱۴