مجلې بیان
مجلة البيان
فعلمت أن المرأة فتية السنّ حسناء.
وأسفر الصبح غب هذه الزوبعة مؤتلق الغرة وضاح الجبين فخرجت أسير والشاطئ وكان قلب البحر يخفق وموجه يصارع الجلاميد ويجالدها ونظرت أطلب للقارب أثرًا فلم أجد ولكنني رأيت طائرين من بنات الماء ترفرفان على مهلك السفينة كأنما تبصران تحت جلدة الماء ما غاب عن سائر الأبصار وطورًا تتصايحان كأنما تتحادثان عما تريان.
ولما عدت من جولتي رأيت المرأة بالباب فما وقعت عيني عليها حتى وددت أني لم أنجها إذ بوجودها في منزلي انقضى عهد عزلتي وانقرض ملك خلوتي وكانت حديثة غضة السن - لا تجاوز التاسعة عشرة شديدة بياض الوجه صهباء الضفائر زرقاء العينين ملتهبة الألحاظ دريّة الثغر وضاحة الثنايا. وكانت لفرط رقتها وبياضها وضيائها يخيل إليك أنه شبح لا جسد وأنها طيف الخيال لذاك الزبد الأبيض الذي منه أخذتها فلما دنوت منها أومأت إليّ بيديها إيماءة الطفل الصغير كأنها تشكر إليّ نعمتي عليها. وكانت قد لبست حللًا من ثياب العجوز لكن على صورة عجيبة مستغربة تسر الناظرين. ثم دنت مني فمدت يديها كما يفعل الطفل تقصد بذلك الشكر لي ولكنني أومأت لها أن تبعد عني فبعدت ومضيت قدمًا. عند ذلك صاحت كالمتوجعة واغرورقت عيناها ولكنها تلت أثري حتى دخلت معي غرفة الجلوس وأخذت ترقبني متأملة.
وسألتها فجأة من أي البلاد المرأة؟
فتبسمت صامتة وهزّت رأسها.
قلت: إفرنسية أم نمساوية أو أندلسية أم ماذا؟ فلم ترد على أن هزت رأسها ثم رطنت طويلًا بلسان لم أفقه منه حرفًا واحدًا.
ولما فرغت من الإفطار وفقني الله إلى معرفة جنسها وذلك أني بينما أعيد الكرة على الساحل نظرت بالصخور التي انحطمت عليها السفينة خشبة قد نشبت في بعض ثلمها فامتطيت الزورق نحوها ثم عدت بها إلى الشاطئ فإذا مكتوب عليها بحروف بديعة غريبة أرشانجيل فقلت في نفسي وأنا عائد إلى الدار وهكذا هذه الغادة البيضاء روسية خليقة أن تكن من رعايا القيصر الأبيض وسكان البحر الأبيض! ثم عجبت أن من كان مثلها رقة ونعمة يذرع أجواز المحيط ويطوي مراحل الماء في ذلك الوعاء الواهي الضئيل ولما
10 / 72