لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
خپرندوی
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۰۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
دمشق
وَتَطْهِيرِ أَخْلَاقِهِ، وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ وَبَدَنِهِ، وَتَهْذِيبِ ذَلِكَ «لَكِنَّهَا» أَيِ: النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ «فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلِّ» ﷾ يُؤْتِيهِ مَنْ شَاءَ مِمَّنْ سَبَقَ عِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ الْأَزَلِيَّانِ بِاصْطِفَائِهِ لَهَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ الْمُجَوِّزِينَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ مَنْ لَازَمَ الْخَلْوَةَ وَالْعِبَادَةَ وَدَوَامَ الْمُرَاقَبَةِ وَتَنَاوُلَ الْحَلَالِ وَإِخْلَاءَ نَفْسِهِ مِنَ الشَّوَاغِلِ الْعَائِقَةِ عَنِ الْمُشَاهَدَةِ بَعْدَ كَمَالِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ بِالتَّهْذِيبِ وَالرِّيَاضَةِ انْصَقَلَتْ مِرْآةُ بَاطِنِهِ وَفُتِحَتْ بَصِيرَةُ لُبِّهِ، وَتَهَيَّأَ لِمَا لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ غَيْرُهُ مِنَ التَّحَلِّي بِالنُّبُوَّةِ، لِأَنَّ النُّبُوَّةَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنِ اجْتِمَاعِ ثَلَاثِ خَوَاصَّ فِي الْإِنْسَانِ (إِحْدَاهَا) الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ لِصَفَاءِ جَوْهَرِ نَفْسِهِ وَشِدَّةِ اتِّصَالِهِ بِالرُّوحَانِيَّاتِ الْعَالِيَةِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ كَسْبٍ وَلَا تَعَلُّمٍ وَلَا تَعْلِيمٍ.
(الثَّانِيَةُ): ظُهُورُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ بِحَيْثُ تُعْطِيهِ الْهَيُولَى الْعُنْصُرِيَّةَ الْقَابِلَةَ لِلصُّوَرِ الْمُفَارِقَةَ إِلَى بَدَنٍ.
(الثَّالِثَةُ): مُشَاهَدَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرٍ مُتَخَيَّلَةٍ، وَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى.
هَذَا مُحَصَّلُ مَذْهَبِهِمُ الْفَاسِدِ، وَمُلَخَّصُ مَسْلَكِهِمُ الْبَاطِلِ، فَيَجْعَلُونَ كَلَامَ اللَّهِ مَا يَفِيضُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ كَلَامًا خَارِجًا عَمَّا فِي نَفْسِ النَّبِيِّ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْفَيْضِ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ وَسَائِرِ النُّفُوسِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَصْفَى وَأَكْمَلَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ النَّبِيِّ. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمُ النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ زَنَادِقَةِ الْإِسْلَامِ يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرُوا أَنْبِيَاءَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَمَوْهِبَةٌ، وَنِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَمُنُّ بِهَا سُبْحَانَهُ وَيُعْطِيهَا «لِمَنْ يَشَاءُ» أَنْ يُكْرِمَهُ بِالنُّبُوَّةِ فَلَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا بِكَسْبِهِ، وَلَا يَنَالُهَا عَنِ اسْتِعْدَادِ وِلَايَتِهِ، بَلْ يَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ «مِنْ خَلْقِهِ» وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مُكْتَسَبَةٌ فَهُوَ زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَلَامُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَنْ لَا تَنْقَطِعَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ﵈، وَلِهَذَا قَالَ: «إِلَى الْأَجَلِ» يَعْنِي أَنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ يَمُنُّ بِهَا الرَّبُّ الْحَكِيمُ، وَالْعَلِيمُ الْكَرِيمُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَيُرِيدُ إِكْرَامَهُ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَدًّا مَنْ عَهِدَ الْأَبِ
2 / 268