985

============================================================

أقدام، ملوكي الفتح، عظيم المنزلة في التصريف، كثير الشطح، ومواعظه مشحونة بلطائف ورقائق، يرجى الرجاء منها وتخشى الصواعق، ومجالس يثني عليها الأثمة، ولو سكتوا أثنث حدائق الحقائق: وكان في الفقه إماما، وفي التضوف لا يسام رفعة(1) ولا يسامى، قد تضلع من الأصول والفروع، وتقدم على غيره في كل فن مشروع، قل نظيره، وعلا على أعلى الأطلس أثيره، اعترف له بذلك كل فقهاء عصره، وصوفية مصره، وحسبك قول العز بن عبد السلام في حقه: بلغت الإمامة مبلغ القطع.

ولد بجيلان(1) سنة سبعين وأربع مثة، ونشأ بها حتى شب، فسلك طريق القوم، وجد واجتهد، وكابد الأهوال حتى كان يلف على رأسه خريقة، ويلبس جبة، ويمشي حافيا، ويتقوت بقمامة البقل، وورق الخس، ويجاهد نفسه بأنواع الشدائد، وأقام في خرائب العراق خمسأ وعشرين سنة لا يعرف الناس ولا يعرفونه.

وأتاه الخضر عليه السلام مرة وهو لا يعرفه، فقال له: اقعذ هنا حتى آتيك: فأقام في ذلك الموضع ثلاث سنين.

ومكث في بدايته سنة لا ياكل ولا يشرب ولا ينام، واحتلم في ليلة في الشتاء أربعين مرة، يغتسل لكل مرة، ولم يزل على ذلك الحال، حتى طرقه الحال، فهام في البراري والجبال، إلى أن اتصف بالكمال، ورزق القبول التام، عند الخاص والعام، فكان يأتيه الخليفة فمن دونه، وعلى عدم زيارته إياهم يعاتبونه، فيأبى ولا يجيب، ويبالغ بزواجر المواعظ حتى يكثر التحيب، ولم يقم لأحد منهم قط، بل رتما وقف بين يديه فلا يعبا به (3) ولا يلتفت إليه.

وكان على زي العلماء، يتطيلس، ويركب بغلة، وتحمل الغاشية بين يديه، ويجلس للوعظ على كرسي عال، وربما مشى في الهواء على رؤوس الأشهاد، ثم عاد. وكان مع ذلك يجلس مع الفقراء، ويفلي لهم ثيابهم، وله المنزلة (1) في المطبوع : لا يسام رفقة.

(2) في الأصل: ولد ببغداد، وفي هامش (1) و (ب): صوابه بجيلان.

(3) في المطبوع: منهم قط ولا يعبأ به.

مخ ۲۵۴