3
مقيما الدليل على استحالة أن يكون قد سبق الأصول الأربعة شيء خلو منها؛ وإلا فكيف يجوز عند العقل أن يكون نفس المصدر الذي نشأت عنه النار هو الذي خلق منه الماء؟ إن هيولى الشيء هو ما قد تركب منه ذلك الشيء، فهل يتركب الماء والنار - وهما ضدان - من هيولى واحدة؟ يقول جابر مخاطبا أصحاب الرأي القائل بأن أصل العالم هيولى لا كيف لها: لقد زعمتم أن أولى مراحل الخلق طينة أزلية لم تكن جسما، ولا كانت موصوفة بصفة مما توصف به الأجسام، وزعمتم أن تلك الطينة هي أصل الأشياء وعنصر البرايا؛ ومحال علينا أن نتصور بخيالنا هذه الطينة ولا أن نعقلها، ثم قلتم إن المرتبة الثانية هي أن قد اتخذت تلك الطينة الأزلية أبعادا ثلاثة، فصارت بها جسما، لكنه جسم غير موصوف بشيء من حر أو برد أو رطب أو يابس أو لون أو طعم أو رائحة أو حركة أو سكون؛ لأن هذه كلها كيفيات، والكيفيات لم تكن قد طرأت عليها بعد، وهذا أيضا شيء غير معقول؛ ثم زعمتم أن الكيفيات الأربع قد حدثت بعد ذلك، وأعني بها: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ومنها نشأت الطبائع الأربع التي هي النار والهواء والماء والأرض؛ لكن هذا القول هو بمثابة قولنا: إن شيئا خرج من لا شيء؛ فهل كان يجوز أن يخلق الماء من نفس الشيء الذي خلقت منه النار؟ إنكم إذا أجبتم بالإيجاب كنتم تجيبون بما هو محال؛ وذلك أن كل شيء ركب منه شيء فهو هيولى لما تركب منه؛ فمن أمثلة ذلك قولنا: إن نطفة الإنسان هيولى الإنسان ونطفة الحمار هيولى الحمار. وإنا لنزعم أنه محال أن تقبل نطفة الإنسان صورة الحمار؛ لأنها ليست بهيولى لها، وكذلك محال أن تقبل نطفة الحمار صورة الإنسان، فوجب على هذا القياس أن يكون الشيء الذي يقبل صورة النار هو هيولى لها، فمحال أن يقبل صورة الماء وأن يكون هيولى له.
ويستطرد ابن حيان في مخاطبة أصحاب مذهب الهيولى الواحد، فيقول عنهم إنهم قالوا: إنا نجد الماء يستحيل فيصير نارا، فيكون الجوهر الحامل لكيفياته وحالاته هو نفسه الجوهر الحامل لكيفيات النار وحالاتها، فما جاز على الأول جاز على الثاني، والذي تغير في الحالتين هو الأعراض، فكذلك الهيولى القديم واحد، وهو حامل لكيفيات الماء وحالاته إن حدثت فيه، وحامل لكيفيات النار وحالاتها إن هي حدثت فيه. نقول إنهم إن قالوا ذلك قلنا: إن الماء ليس يستحيل دفعة واحدة فيصير نارا، بل هو يتدرج في ذلك، فيتحول أولا إلى بخار، ثم يصير البخار هواء، ثم يتحول الهواء فيصير نارا. فلو قال قائل: إن الماء يستحيل هواء فيصير نارا، لأهمل بذلك مرحلة البخار التي ينتقل خلالها من حالة الماء إلى حالة الهواء، فيصبح قوله غير معقول، وهكذا قولكم - يا أصحاب مذهب الهيولى - كان يكون معقولا لو أنكم جعلتم الماء والنار يصدران عن هيولى بسيط أزلي على النحو المتدرج الذي أسلفناه، لكنكم لم تقولوا ذلك، بل قلتم: كان يجوز أن يكون الهيولى الذي استحوذت عليه طبيعة الماء وحالاته، تستحوذ عليه - بدلا منها - طبيعة النار وحالاتها بغير استحالات متوسطة فيما بين الماء والنار، وهذا خلاف المعقول.
ويمضي ابن حيان في تفنيد دعوى أصحاب مذهب الهيولى، فيقول: إنهم إن زعموا أن الهيولى القديم - قبل أن يكتسي بالصور ويكتسب الطبائع - كان شيئا له القوة على قبول حالات النار وكيفياتها بجانب من جوانب تلك القوة، وبجانب آخر يقبل حالات الماء وكيفياته، وبثالث يقبل حالات الهواء وكيفياته، وبرابع يقبل حالات الأرض وكيفياتها ... إن زعموا ذلك عن الهيولى القديم كانوا بهذا الزعم قد أثبتوا للخليقة أربعة عناصر أزلية قديمة، وهي مختلفات القوى، وبطل قولهم: إن العنصر الأول واحد ليس بمختلف.
وتسألهم: هل يجوز انحلال الأشياء إلى الهيولى القديم كما تركبت منه؟ فإن قالوا: لا يجوز هذا، سألناهم: ولم لا يجوز؟ فإن قالوا: إن ذلك بطلان الأشياء ورجوع بها إلى الأزلي البسيط الذي لا تركيب فيه، قلنا: وما ضركم أن تقولوا إن الأشياء تعود إلى الأزلي البسيط الذي لا تركيب فيه ويبطل هذا العالم؟
ومما يدل على فساد قولهم بأن أول الخلق هيولى بسيط لا كيف فيه، أن الفلاسفة قد بينوا لنا استحالة وجود جوهر عطل من الأفعال كلها - الطبيعية منها والصناعية - بحيث يكون ذلك الجوهر غير ذي فعل في نفسه أو في غيره؛ مع أن الهيولى التي زعم هؤلاء القوم أنه أزلي بسيط، وأنه الجوهر الأول، هو في الحقيقة عطل من الأفعال كلها - الطبيعية والصناعية - وهو أمر مستحيل على البرهان العقلي، كما أنه بالبداهة مستحيل أيضا على الإثبات بطريق الإشارة.
فإذا كان هذا هكذا، انتهينا إلى الرأي الذي نأخذ به، وهو أن الأصل الأول هو الطبائع الأربع: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، فهذه لم تنفعل لشيء سبقها فيما عدا البارئ جل ثناؤه. (2) تقسيمات رباعية
من هذه الأصول الأربعة الأولى: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة نشأت أربعة عناصر؛ وذلك باجتماع تلك الأصول بعضها ببعض اثنين اثنين؛ فقد اجتمع الحار واليابس فنشأت النار، واجتمع الحار والرطب فنشأ الهواء، واجتمع البارد واليابس فنشأت الأرض، واجتمع البارد والرطب فنشأ الماء؛ على أن هذه العناصر الأربعة إنما يتفاوت ترتيبها علوا وسفلا على الوجه الآتي: فالنار أعلاها، ويتلوها الهواء، ثم الماء، وأخيرا الأرض.
وفصول السنة أربعة تقابل تلك العناصر الأربعة؛ فالصيف يقابل النار، والربيع يقابل الهواء، والشتاء يقابل الماء، والخريف يقابل الأرض.
وفي بدن الإنسان أخلاط أربعة تقابل العناصر الأربعة؛ فالصفراء تقابل النار وزمانها القيظ، والدم يقابل الهواء وزمانه الربيع، والبلغم يقابل الماء وزمانه الشتاء، والسوداء يقابلها الأرض وزمانها الخريف. وسيكون لتحديد الأزمان الملائمة لكل من هذه الأخلاط الأربعة شأن في العلاج الطبي للأمراض التي تطرأ على هذا الجزء أو ذاك، كما سنرى عندما تتعرض لأهمية التحديد الزمني عند جابر، والتحديد الزمني للظاهرة إنما يتقرر بأوضاع النجوم في أفلاكها.
ناپیژندل شوی مخ