ويقول أيضا: «إذا كان قد ظهر أن لكل شيء موجود فعلا ما، فليعلم أن للإنسان خاصة أكثر الأفعال وأكبرها؛ فليعلم ضرورة أن عمله واستخراجه علم المنطق والنحو والهندسة والطب والنجوم - وإن كان موضوع كثير منها باطلا - فإن جميع ذلك حق؛ وغير مدافع أن الكلام وتأليف الحروف وعمل أشكالها من تأليف الإنسان، إلا أنها قد وقعت بالطبع ... فغير شك إذن أن الكلام ونظم الحروف له طبع ما؛ إذ كان كل موجود له طبيعة ما، وهذا موجود».
33
فلسفة الكون
(1) مراحل الكون
يرى جابر أن أول ما كان في الأزل هو العناصر الأولية الأربعة: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، فهذه هي «أوائل الأمهات البسائط» كما يسميها،
1
ثم طرأت على هذه البسائط حركة وسكون، فتكون منها تركيبات منوعة، ولولا الحركة والسكون لظلت تلك الأصول الأولى مستقلا بعضها عن بعض؛ كل منها خالص لنفسه وقائم برأسه، لكن الحركة والسكون وحدهما لا يكفيان لخروج هذه الكائنات التي نراها من حيوان ونبات وحجر، بل لا بد كذلك من مبدأ الكمية يدخل في عملية الامتزاج؛ لأن الأشياء إن تشابهت في خروجها أساسا من تلك الأمهات الأربعة، فهي تعود فتختلف حيوانا ونباتا وحجرا باختلاف المقادير التي تدخل في تكوينها من كل عنصر من العناصر الأولية؛ فقد تزيد الحرارة هنا وتقل هناك، وقد تزيد اليبوسة في شيء عنها في شيء آخر، وهكذا؛ وإذن فمراحل الوجود على وجه الإجمال هي: كيفيات، فحركة وسكون، فكمية، بهذا الترتيب.
فليس يذهب جابر مع الذاهبين إلى أن تلك العناصر الأولية الأربعة قد سبقها إلى الوجود هيولى خلو من الكيف - وهو المذهب الأرسطي - ثم جاءت العناصر الأربعة فروعا متفرعة عن الهيولى الخالصة بأن اكتسبت تلك الهيولى الساذجة كيفية ما، فصارت حرارة، وكيفية أخرى فصارت برودة، وكيفية ثالثة فصارت يبوسة، وكيفية رابعة فصارت رطوبة. ويقول أنصار هذا المذهب - كما يرويه عنهم جابر - إن الهيولى اكتسبت أول ما اكتسبت الأقدار الثلاثة: الطول والعرض والعمق، فصارت الهيولى بهذه الأبعاد الثلاثة جسما ذا ثلاثة أبعاد، وبعدئذ خلقت فيه الكيفيات الأربع المذكورة فنشأت طبائع الأشياء وأركان الخليقة، ثم تركبت هذه الطبائع الأربع، وامتزج بعضها ببعض، فكانت منها جميع هذه الأشخاص والأشباح الموجودة في العالم .
2
يعرض جابر هذا المذهب موجزا ليتناوله بالنقد
ناپیژندل شوی مخ