اسلام او بشري تمدن
الإسلام والحضارة الإنسانية
ژانرونه
وها هنا العصر الذي أصبح فيه معهد الإسلام الأكبر كما قال الشيخ - رحمه الله: «يضم السوداني، والمغربي، والحبشي، واليمني، والشامي، والفلسطيني، والإندونيسي، والتركستاني، والسعودي، والأفغاني، والتركي ، والروسي، واليوناني، واليوغسلافي، والكردي، والعراقي، والإيراني، والسيامي، والباكستاني، والفلبيني، والملاوي، والبرمي، والأردني، واللبناني، والزنجباري، والأوغندي، والليبي، والتونسي، والجزائري، والمراكشي، والإريتري، والسنغالي، والصومالي، والنيجيري». إلى غير هؤلاء ممن وفدوا إليه أو يتوافدون مع الأيام بلا انقطاع. لا جرم كان من بشائر الأمل - كما أسلفنا في غير هذا الموضع - أن ينهض الشيخ شلتوت بمشيخة الأزهر في الزمن الذي تفتحت فيه الطرق بين البلاد الإسلامية بعد أن تحررت من الطغيان الأجنبي عليها وبين هذا المعهد الذي لا معهد في العالم الإسلامي أولى منه بضم الشمل، وتقريب مسافة الخلف بين المسلم والمسلم حيثما كان في أقاصي البلدان.
ومن عرف الإمام الفقيد عرف أنه قد تزود لهذه الرسالة بزاد غير علمه الغزير وشجاعته الصادقة، وهو زاد القلب الطيب والسجية الكريمة تجمع الخصوم على الألفة والثقة كما تجمع الأصحاب والأنصار.
ولقد عرفنا الشيخ الأكبر سنوات في مجمع اللغة العربية، فتعودنا أن نعرفه «قرآنيا» في دراسته لأسرار اللغة، قبل أن نعرفه «لغويا» في دراسته لأسرار القرآن، وكنا نسمعه يقول: إن القرآن معجز بما هو به قرآن، ويعني بذلك نسقه الذي ينتظم ألفاظه ويوحي من معانيها بما ليس في مفردات الكلم ولا في أجزائه التي يقتضيها الإعراب في كل عبارة. فليست الكلمة الواحدة هي محل الإعجاز، وليس محل الإعجاز هو الكلمتين أو الكلمات الثلاث التي تتم بها جملة الفعل والفاعل أو المبتدأ والخبر والجار والمجرور أو المضاف والمضاف إليه، ولكنه نسق دقيق يتخطى لوازم العلاقة بين الألفاظ في النحو والصرف إلى لوازم العلاقة بين المعنى والوجدان، وبين الوحي والبصيرة، مما لا تدركه ولا تبلغ إليه بلاغة الإنسان. وبهذه البصيرة المتفتحة تسنى له أن يفهم القرآن كتابا للمسلمين جميعا يرجعون إليه فيرجعون إلى مصدر واحد يبطل فيه الخلاف، أو يختلف فيه المختلفون، ولكن كما يختلف العقل الواحد بينه وبين نفسه في وجهات نظره بين حين وحين، وبين اعتبار واعتبار.
وبهذه النظرة «القرآنية» عمل الشيخ الأكبر في تنظيمه للدروس بمعاهد التعليم، كما عمل على هذه الهداية في علاقته بالأمم الإسلامية وعلاقته ببلاد العرب أجمعين. والجديد في خطته على هذه الجادة القديمة أنه فهم أن اللغة العربية، أو اللغة القرآنية، شيء يتعلمه العربي المسلم كما يتعلمه المسلم غير العربي، فلم يكن على المسلمين غضاضة في هذه المساواة الشاملة، ولم يكن للعربي إيثار على غيره؛ لأن عروبته في هذا المنهج هي عروبة القرآن الذي يتساوى فيه المسلم والمسلم من كل جنس، وبكل لسان.
ولئن مضى الإمام المجتهد ولم يعقب برنامجه المفضل للتطبيق الشامل «العملي» في المستقبل الذي سيواجهنا عما قريب؛ لقد عمل وعلم وأعقب المثال الذي يهتدي به من عمل معه ومن تعلم على يديه، ومن يقدر على مجاراته في اجتهاده والزيادة عليه بما يتهيأ لهم من وسائلهم ولم يتهيأ له في حياته، وإنهم لكثيرون بعون الله يجزيهم الله وإياه.
الفصل الثامن
المادية تنهدم1
سئل رهط من علماء الغرب عن مصير الإنسان، فقال العالم المشهور «سير جوليان هكسلي» ما فحواه: إن أدوار التطور الكبرى قد انتهت بالنسبة إلى النوع الإنساني، إلا ما يكون منها خاصا بالدماغ والفكر، فإن النوع الإنساني لا يزال قابلا في هذه الوجهة للمزيد من التقدم والنماء، وليس المنظور أن يكون هذا التطور «عضويا حيويا» في بنية الدماغ، فإن حكم الدماغ من حيث النماء الجسدي كحكم سائر الوظائف الحيوية ... ولكن الأفكار التي تتولد من مباحث العلم والفن على الأجيال المتعاقبة تزيد محصول الإنسان من المعرفة فتزداد قدرته على التفكير الصحيح تبعا لذلك، ويحدث التجاوب بين العارفين في البيئة الواحدة فيصحح بعضهم تفكير بعض، ويأتي من تجمع الأفكار وتصحيحها ما هو منتظر للنوع الإنساني في مجموعه من تطور العقل وصحة التفكير.
والذين خالفوا السير جوليان هكسلي في تطور الدماغ من البنية الجسدية لم يخالفوه في اعتقاده أن التقدم سيأتي من معالجة التفكير، وأن مرانة الذهن على التفكير في مصاعب الحياة هي التي يرتبط بها النماء في حجم الدماغ وفي قدرته على الفهم والإدراك، ثم في تعوده أن يعمل بداهة وارتجالا ما يعمله اليوم بعد التنبه والاجتهاد.
وقرر هكسلي وموافقوه من العلماء والمفكرين الذين سئلوا عن مصير الإنسان أن هذه الآراء جميعا أبعد ما تكون عن «المادية» أو عن تلك الفلسفة التي تربط مصير الإنسان بجسده، وبالمعيشة المادية التي تعيشها الجماعة وتفرضها على عقول أفرادها.
ناپیژندل شوی مخ