حکمت غرب
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
ژانرونه
Synthesis . ولا شك أن هذه الفكرة مستوحاة من مناقشة «كانت» للمقولات. وقد كانت نقطة البداية في العرض الذي قدمه هيجل، شأنه شأن «كانت»، هي مقولة الوحدة، ولكن هيجل سار بعد ذلك في طريقه الخاص، وشيد سلسلة طويلة، اعتباطية إلى حد ما، من المقولات، حتى وصل إلى الفكرة المطلقة، وعند هذه المرحلة نكون قد درنا دورة كاملة وعدنا إلى الوحدة. ولقد نظر هيجل إلى هذا على أنه ضمان للاكتمال ولسلامة البرهان، والواقع أن الفكرة المطلقة تتكشف بوصفها أرفع أمثلة الوحدة، أي تلك التي تستوعب فيها جمع الاختلافات.
أما العملية الجدلية التي تؤدي إلى المطلق، فإنها تساعدنا على اكتساب فهم أفضل لهذه الفكرة المعقدة. ولا شك أن تقديم شرح لهذه العملية بلغة بسيطة هو أمر يتجاوز قدرة هيجل، وقدرة أي شخص آخر. ولكن هيجل يعود هنا مرة أخرى إلى واحد من تلك الأمثلة الإيضاحية التي تحتشد بها مؤلفاته؛ فهو يشرح الفارق بين شخص لا ترتكز فكرة المطلق عنده على معرفة بالمسار الجدلي، وآخر مر بهذا المسار، فيشبهه بدلالة الصلاة بالنسبة إلى طفل، ودلالتها لرجل عجوز؛ فكلاهما يتلو الألفاظ نفسها، ولكنها عند الطفل لا تعني أكثر من مجموعة من الأصوات، على حين أنها تثير لدى العجوز تجارب عمر كامل.
وهكذا ينادي المبدأ الجدلي بأن المطلق، الذي يصل فيه المسار إلى نهايته، هو الحقيقة الوحيدة. وفي هذه الفكرة كان هيجل متأثرا باسبينوزا. ويترتب على ذلك أن أي جزء من الكل ليست له في ذاته حقيقة أو معنى فعال، بل إنه لا يكتسب معناه إلا إذا ارتبط بالكون بأكمله. ويبدو على هذا الأساس أن القضية الواحدة والوحيدة التي ينبغي أن نغامر بالتصريح بها هي أن الفكرة المطلقة حقيقة. فالكل وحده هو الحقيقي، وأي شيء جزئي لا يمكن أن تكون له إلا حقيقة جزئية. أما لو بحثنا عن تعريف للفكرة المطلقة عند هيجل، لوجدناه من الغموض بحيث يغدو أمرا لا جدوى منه. غير أن المقصود منها بسيط للغاية. فالفكرة المطلقة، عند هيجل، هي الفكرة التي تفكر في ذاتها، وهذا مفهوم ميتافيزيقي يناظر في نواح معينة إله أرسطو، الذي هو كيان منعزل غير معروف، مغلف بفكره الخاص، وفي نواح أخرى يذكرنا هذا المفهوم بإله اسبينوزا، الذي كان هو والكون شيئا واحدا. والواقع أن هيجل، مثل اسبينوزا، يرفض أي نوع من الثنائية. فهو يبدأ مثل فشته، من العقلي، ومن ثم فإن حديثه يدور حول الفكرة.
ويطبق هيجل هذه النظرية الميتافيزيقية العامة على التاريخ. وليس مما يدعو إلى الاستغراب أن نجد هذه النظرية تلائم أنماطا عامة معينة في هذا الميدان؛ إذ إن هيجل إنما استمد المبدأ الجدلي، في الواقع، من التاريخ. غير أن العرض التفصيلي للأحداث الخاصة ينبغي، كما رأينا، ألا يلتمس بهذه الطريقة القبلية. كذلك فإن المسار نحو المطلق في التاريخ يتيح له فرصة لتقديم بعض الدعايات القومية التي تتسم بقدر كبير من الفجاجة؛ إذ يبدو في نظره أن التاريخ قد وصل إلى مرحلته النهائية في الدولة البروسية كما كانت قائمة في عصر هيجل. هذه هي النتيجة التي ينتهي هيجل إليها في فلسفة التاريخ. ولا شك أننا لو تأملنا الأمر بمنظورنا الحالي لبدا لنا أن الفيلسوف الجدلي العظيم في استنتاجه هذا كان متسرعا إلى حد ما.
ويؤدي هذا النمط نفسه من الحجج إلى إيثار هيجل لدولة تنظم بطريقة شمولية. فتطور الروح في التاريخ هو قبل كل شيء مهمة الألمان، في رأي هيجل، ذلك لأن الألمان هم وحدهم الذين تفهموا الحرية بنطاقها الكلي الشامل، على أن الحرية ليست مفهوما سلبيا، وإنما ينبغي أن ترتبط ببناء قانوني ما، وهو ما يمكن أن نتفق فيه مع هيجل. ولكن هذه القضية لا يترتب عليها القول بأنه حيثما يوجد القانون توجد الحرية، كما يبدو أن هيجل يعتقد بالفعل؛ إذ لو كان الأمر كذلك، لكانت «الحرية» مرادفة لإطاعة القانون، وهو معنى يختلف إلى حد ما عن معناها الذي اعتدناه، ولكن هناك في الوقت ذاته لمحة عظيمة القيمة في فكرة هيجل عن الحرية. فالشخص الذي يقوم عادة بضرب رأسه في جدار من الطوب، لأنه لا يريد الاعتراف بأن قوالب الطوب أكثر صلابة من الجماجم، يمكن أن يوصف بالمثابرة، ولكن ليس بأنه حر. وبهذا المعنى تكمن الحرية في الاعتراف بالعالم على ما هو عليه بدلا من تعليل النفس بالأوهام؛ أعني أنها تكمن في إدراك الاتجاه الذي تسير فيه الضرورة، وهي فكرة ألمح إليها هرقليطس، كما رأينا من قبل.
7
ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بالقوانين الخاصة السائدة في بروسيا، فلا يبدو هناك أي سبب للقول إن هذه القوانين ينبغي أن تكون ذات ضرورة منطقية؛ ذلك لأن وصفها بهذا الوصف، كما يميل هيجل على أن يفعل، إنما يفرض على المواطن الأعزل البريء، طاعة عمياء لأوامر بلده، بحيث تصبح حريته هي أن يفعل ما يؤمر به.
8
وقد استوحي المنهج الجدلي من سمة أخرى نشأت عن ملاحظة للتاريخ، ذلك لأنه يؤكد عنصر الصراع بين قوى متعارضة. ولقد كان هيجل، مثل هرقليطس، يضفي قيمة كبيرة على الصراع والنزاع. وهو يذهب إلى حد القول بأن الحرب أرفع أخلاقيا من السلم. فلو لم يكن للأمم أعداء تحارب ضدهم، لدب فيها الضعف والانحلال الخلقي. وواضح أن هيجل يعمل هنا حسابا لقول هرقليطس إن الحرب هي أم الأشياء جميعا. وقد رفض فكرة كانت المتعلقة باتحاد عالمي، كما عارض الحلف المقدس الذي انبثق عن مؤتمر فينا. ويمكن القول إن مناقشته للسياسة والتاريخ قد تعرضت بأسرها للتشويه نتيجة لاهتمامه الأحادي الجانب بالتاريخ السياسي، وهو في هذا يفتقر إلى نظرة فيكو الواسعة التي جعلته يدرك أهمية الفنون والآداب. فما كان في وسع هيجل أن يتوصل إلى النتيجة القائلة إن وجود الأعداء الخارجيين ضروري لكي تكتسب الأمة صحة معنوية وأخلاقية؛ إلا من منظور سياسي بالمعنى الضيق. أما لو اتخذ المرء منظورا أرحب من ذلك، لاتضح له أن في أي مجتمع معين عناصر كثيرة تتيح مجالا واسعا للتنفيس عن روح القتال الصحية لدى المواطنين. والواقع أن الرأي القائل بأن الخلافات بين الأمم ينبغي أن تحل عن طريق الحرب إنما يفترض استحالة قيام عقد اجتماعي بينها، وأن معاملاتها المتبادلة ينبغي أن تظل في حالة الطبيعة غير المتحضرة؛ حيث يكون للقوة وحدها وزن. وفي هذه الناحية كانت بصيرة كانت، أعمق بكثير من هيجل، وذلك لأن عصورنا الحالية أثبتت أن الحرب تؤدي في النهاية إلى دمار شامل، وهذا الدمار الشامل يعني بالفعل بلوغ ذروة جدلية لا بد أن ترضي أشد دعاة الهيجلية تحمسا.
9
ناپیژندل شوی مخ