حکمت غرب
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
ژانرونه
categorical imperative . وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى إزاء مفهوم مهجن يناظر، في الاستخدام العملي للعقل، مفهوم القبلي التركيبي في استخدامه النظري. ففي المنطق التقليدي يستحيل أن تجتمع صيغة التقرير المطلق (cathegorical mood)
مع صيغة الأمر (imperative) . ولكن كانت يذهب إلى أن هنالك قضايا معينة متعلقة بما يجب أن يكون، يمكن أن تكون غير مشروطة، وهي تلك التي يسميها أوامر مطلقة، وهكذا يرى أن المبدأ الأسمى للأخلاق يتمثل في الأمر المطلق الآتي: اسلك دائما بحيث يمكن أن تكون المبادئ الموجهة للإرادة قانونا كليا شاملا. والواقع أن هذه العبارة الصارمة إنما هي تعبير آخر، بطريقة استعراضية معقدة، عن القول المأثور: أحب لأخيك ما تحب لنفسك. أي أنه مبدأ ينكر عدالة استثناء المرء لنفسه أو دفاعه عن أي موقف خاص به وحده.
لقد لاحظنا أن الأمر المطلق الذي ترتكز عليه الأخلاق عند كانت هو مبدأ صوري أو شكلي، وبهذا الوصف يستحيل أن يكون منتميا إلى ميدان العقل النظري، ما دام هذا العقل منصبا على الظواهر. ويستنتج كانت من ذلك أن الإرادة الخيرة، التي تتحدد بهذا الأمر المطلق، ينبغي أن تنتمي إلى عالم الأشياء في ذاتها. وهنا تتضح لنا أخيرا وظيفة الشيء في ذاته. فالظواهر تتطابق مع المقولات، وبخاصة مقولة العلة والمعلول، أما الأشياء في ذاتها فلا تخضع لمثل هذه القيود. وعلى هذا النحو يتمكن كانت من التخلص من مأزق الإرادة الحرة في مقابل الحتمية، فبقدر ما يكون الإنسان منتميا إلى عالم الظواهر، يخضع لقوانينه الحتمية. ولكن الإنسان، من حيث هو فاعل أخلاقي، ينتمي إلى عالم الشيء في ذاته، ومن ثم فلديه إرادة حرة. والواقع أن هذا حل بارع حقا، وإن كان مصيره يتحدد تبعا لمصير فكرة الشيء في ذاته، بحيث ينهار إذا انهارت هذه الفكرة.
إن الأخلاق عند كانت تنطوي على عنصر صارم من الاستقامة الكالفينية. ذلك لأن من الواضح في هذه الأخلاق أن الشيء الوحيد الذي له أهمية هو أن يكون سلوكنا نابعا من المبادئ الصحيحة. وتبعا لهذا الرأي يكون استمتاعك بالشيء الذي تكون ملزما، من الوجهة الأخلاقية، بعمله، يكون هذا الاستمتاع عقبة فعلية في وجه السلوك الأخلاقي. فإذا كنت أحب جاري، وأشعر تبعا لذلك بالميل إلى مساعدته في وقت الشدة، عندئذ لا يكون لهذا الفعل، وفقا لمبدأ كانت، نفس القيمة الأخلاقية التي تكون للقيام بعمل طيب مماثل تجاه شخص سمج مكروه تماما، وبذلك تتحول المسألة كلها إلى مجموعة من الواجبات الثقيلة غير السارة، التي نؤديها، لا بناء على رغبة، بل بناء على مبدأ. أما الفاعل فهو الإرادة الخيرة، التي تعد هي وحدها الخيرة بلا قيد أو شرط.
وبالطبع فإن من الصحيح تماما أننا ينبغي أن نمتنع عن الانقياد للميول الوقتية. وهناك ظروف كثيرة نتصرف فيها فعلا بدافع المبدأ، حتى لو كان هذا المبدأ متعارضا مع رغباتنا المباشرة. ومع ذلك يبدو من الأمور الشاذة أن يكون من الضروري فرض مثل هذا الحصار على كل أفعال الإنسان. ويجوز أن اعتقاد كانت بهذا الرأي كان راجعا إلى أن حياته اتسمت في عمومها بطابع نظري إلى أبعد حد، ولولا ذلك لجاز أن يخطر بباله أن في ميدان المشاعر الخاصة أمورا كثيرة يحق لنا أن نعدها خيرا، دون أن يكون من الممكن تحويل أي منها إلى قانون عام. ولكن من الممكن أن يوجه إلى الأخلاق الكانتية أعراض أهم من ذلك بكثير. فإذا كان المعول كله على الحالة الذهنية أو القصد، فعندئذ تستطيع أن توقع نفسك في مآزق لا مخرج منها، وكل ما عليك هو أن تشعر بأن ما فعلته واجب عليك. أما النتائج السيئة التي قد يؤدي إليها فعلك فلا قيمة لها على الإطلاق.
4
ولو كان سقراط قد حاور واحدا من أنصار هذه الأخلاق، لكان من حقه أن يحذره من أن الجهل إنما هو شر الخطايا.
أما عن الوظيفة الأخلاقية للشيء في ذاته، فإنها تجر وراءها بعض النتائج الأخرى؛ فقد بين كانت في «نقد العقل الخالص» أن من المستحيل في إطار العقل النظري، إثبات وجود الله بالحجة العقلية. غير أن النشاط التأملي للعقل الخالص يترك بالفعل مجالا لفكرة وجود الله. ولكن العقل العملي هو وحده الذي يزودنا بأساس عقلي لهذا الاعتقاد. بل إننا في الواقع ملزمون، في المجال العملي، بقبول هذه الفكرة ما دام من المستحيل بدونها أن يوجد نشاط أخلاقي بالمعنى الصحيح. ذلك لأنه يرى أن إمكان السلوك بناء على الأمر المطلق للقانون الأخلاقي يلزم عنه، من الناحية العملية، أن يكون الله موجودا.
ويمكن القول إن نظرية كانت ترسم، على نحو ما، خطا فاصلا يذكرنا بوليم الأوكامي. ذلك لأن ما يأخذه كتاب «نقد العقل الخالص» على عاتقه هو أن يضع للمعرفة حدودا من أجل إفساح المجال للإيمان. فوجود الله لا يمكن معرفته كحقيقة نظرية، ولكنه يفرض نفسه بوصفه إيمانا بناء على أسباب عملية، مع ضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار معنيي النظري والعملي اللذين أوضحناهما من قبل. ومع ذلك فإن الأخلاق التي قال بها كانت لم تترك له مجالا للتقيد بأية عقيدة دينية جامدة. ذلك لأن ما له أهمية بحق إنما هو القانون الأخلاقي، أما التعاليم المحددة الجامدة للعقائد فتنسب عن غير حق إلى مصدر إلهي. وهكذا، فعلى الرغم من أن كانت قد اعتقد أن المسيحية هي العقيدة الوحيدة المتمشية مع القانون الأخلاقي، فإن آراءه في الدين قد أدت بالحكومة البروسية إلى أن تفرض عليه حظرا رسميا.
ومن الآراء الأخرى التي نادى بها، ولم تقل عن هذه سبقا لزمنها، آراؤه في السلام والتعاون الدولي كما عرضها في كتيب بعنوان «السلام الدائم» نشر في عام 1795م. ومن الأفكار الرئيسية التي اقترحها في هذا الكتيب، قيام حكومة نيابية، واتحاد عالمي بين الدول، وهما فكرتان ما أحرانا بأن نذكرهما في عصرنا هذا.
ناپیژندل شوی مخ