هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } أى بل حسبتم أن تدخلوا الجنة، قام للإضراب الانتقالى، والاستفهام الإنكارى، والخطاب لمن انهزم يوم أحد. { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } جملة لما يعلم الله حال من تاء أحسبتم، بالواو، واو الحال، أو حال من واو { تدخلوا } المحذوف لفظا للساكن يعده، المرسوم خطأ، أى كيف حسبتم أن تدخلوا الجنة، حال كونكم لم يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولكن كون صاحب الحال الواو، محتاج للتأويل، لأنه لا يتوقع جهاد بعد دخولهم الجنة، ومعنى لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم لما تجاهدوا، فإنه يلزم من وقوع الجهاد، أن يعلم الله أنه قد وقع، فنفى اللازم وهو العلم يوقعه، والمراد نفى الملزوم، وهو وقوع الجهاد، فإنه إذا لم يقع الجهاد، لم يجز أن يقال إنه قد علم الله أنه قد وقع، لأن هذا جهل تعالى الله عنه، بل يقال قد علم الله أنه يقع بعد أوانه، لا يقع ثم إنه لبس الجهاد منفيا البتة، بل نفى مقيد بالصبر، كما قال. { ويعلم الصابرين } بنصب يعلم، على تقدير أن، بعد واو الجمع الواقعة فى جواب النفى، أى لما تجاهدوا، مع وجود الصبر، بل جاهدتم مع عدمه، إذ هزمتم وفررتم. معنى { ويعلم الصابرين } ويحصل الصابرون فذكر حصول الصابرين بذكر علمه إياهم، لأنه يلزم من حصولهم علمه بحصولهم، لأنه لا يحصل شىء ويخفى حصوله عنه تعالى، فمصدر { يعلم } معطوف بالواو على مقدر معنى بتبديل التركيب، أى لما يكن علم الله بالذين جاهدوا، وعلم له بالصابرين بل علم بالجهاد فقط، لا بالصابرين لعدمهم عند الله، من هزم يوم أحد وفر بأن قال كيف تحسبون أنكم تدخلون الجنة كأهل بدر، ولم تصبروا وتثبتوا صبرهم وثبوتهم، وقيل إن فتحة ميم { يعلم } ليس نصبا بل تخلص من الثقاء ساكنين، وكان بالفتح للتخفيف، وإن الفعل مجزوم عطفا على يعلم الأول، وهو مشكل لن التخلص من التقاء الساكنين، بين كلمتين، فى القرآن، غير موجود إلا قولا فى ألم الله، ولأن الجزم يكون نفيا للكل علم من العالمين على حدة، ويكون المعنى لم يقع جهاد مطلقا ولا صبر، وليس كذلك، بل الجهاد وقع دون الصبر، إلا أن هذا التعليل الثانى، لا يلزم لجواز أن يقال ما قام زيد وعمرو، ويراد ما قاما جميعا، بل قام أحدهما فقط، أو يراد ما قام هذا ولا ذلك، فيجوز أن يراد على الجزم فى الآية، لما يكن علم الجهاد وعلم الصبر، بل كان أحدهما فقط وهو علم الجهاد بلا صبر فيه. وقيل الفتح بناء على إسقاط نون التوكيد الخفيفة، وقرىء برفع يعلم الثانى، على أن جملته خبر لمحذوف، وجملة المبتدأ والخبر حال من اسم الجلالة، أى لما يعلم الله الذين جاهدوا فيكم، وهو يعلم الصابرين، بل علم اجتهادهم وهو غير عالم بصبرهم، لعدم صبرهم فضلا عن أن يقال علم الله بوقوعه، فالواو للحال.
[3.143]
{ ولقد كنتم تمنون } خطاب لمن لم يشهد بدرا. { الموت } بالشهادة. { من قبل أن تلقوه } لما رأوا من أجر الشهداء، إذ أخبرهم الله الرحمن الرحيم له فى قوله
ولا تحسبن الذين قتلوا
الآية، وذلك قول ابن عباس. وقيل المراد بالموت الحرب، لأنها سبب الموت، تمنى من لم يحضر بدرا أن يكون قتال يحضرونه ليحصل لهم أجر كأجر أهل بدر، وكذا من تمنى الموت، لم يرده بالذات، بل للأجر. وقد قال صلى الله عليه وسلم
" لا تتمنوا لقاء العدو، ولكن إذا لقيتموه فاسألوا الله الصبر "
وذلك أن من يتمناه قد يتكل على قوته، وقد عنفهم الله إذا تمنوه وقروا، أو إذا تمنوا الشهادة المتضمنة بغلبة الكفار، وليس مراد المتمنى منهم غلبة الكفار، لكنهم رغبوا فى الأجر، فما هم إلا كمن شرب دواء النصرانى قاصدا للشفاء، ولا يخطر بباله أن فيه نفع الكافر، وتنفيقا لدوائه. وقد قال عبد الله بن رواحة حين نهض إلى غزوة العسرة، وقيل له ردكم الله
لكننى أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات قرع تقذف الزبدا أو ضربة من يدى جران مجهزة بحرية تنفذ الأحشاء والكبدا
{ فقد رأيتموه } أى رأيتم الموت بعيونكم، أى رأيتم ما يكون به كالسيوف والأيدى المرفوعة بها والرجال، وما يدل عليه كالوقوع على الأرض، بلا تنفس وخروج الدم والقطع. { وأنتم تنظرون } ذلك بعيونكم فالجملة حال من واو رأيتموه مؤكدة لعاملها، تدفع توهم رؤية القلب، وأما اشتراك الرؤية بين رؤية البصر ورؤية القلب، فبالظاهر أنه لا يتوهم فضلا عن أن يدفع.
[3.144]
ناپیژندل شوی مخ