هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
قال جبريل وذلك أنهم رأوهما ولم يعرفوهما بدليل قولهم من هذا، وقولهم ومن معك وقد ذكروا أن جبريل لم يكن حينئذ على الصورة التى يعرفونه بها فسألوه من هذا ولما أخبرهم قالوا ومن معك. قال محمد وذلك أنهم أحسوا أن معه رفيقا بالمشاهدة لكون السماء شفافة أو لزيادة النور بحضوره - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عنه فقال محمد. فقالوا أوقد أرسل إليه وفى رواية بعث إليه وعلى الوجهين، فالمراد البعث للعروج لا الرسالة، لأنهم عرفوا بها قبل ذلك واشتهرت فى الملأ الأعلى، وقيل سألوا عن بعثه للعروج تعجبا من نعمة الله عليه بذلك واستبشارا به وقد علموا أن بشر لا يترقى هذا الترقى إلا بإذن من الله تعالى وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه، وقيل إن الله تعالى أراد اطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم قالوا أو بعث إليه أو أرسل إليه فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له وإلا لقالوا ومن محمد كما مر ولما قيل أو بعث إليه وقال جبريل نعم. قيل مرحبا به وأهلا، أى صادفت رحبا بك، أى وسعا أو رحب الله بك مرحبا أى ترحيبا، وأتيت أهلا وأهلك الله أهلا أى تأهيلا، ويزيد الناس فى كلامهم وسهلا أى وصادفت أو أصبت مكانا سهلا وعامل الثلاثة محذوف وجوابا لجريان ذلك مجرى المثل حياه الله من أخ ومن خليفة، أى أبقاه الله من الحياة أو سلم عليه من التحية أو طال حياته أو أكرمه غاية الإكرام ومن زائدة فى التمييز عند بعض الأخوة أخوة الإيمان.
قال الله سبحانه وتعالى
إنما المؤمنون إخوة
والخليفة وكيل الله فى تنفيذ الأحكام والباقى دينه لأنه خلف الأديان كلها ولا ينسخ والآخر لأنه خاتم الأنبياء قالوا ولنعم المجئ جاء أى جاء ونعم المجئ مجيئه، ويحتمل أن يكون قالوه لما عاينوه من بركاته عليه السلام التى سبقته السماء مبشرة بقدومه وفيه تقديم وتأخير كما علمت ويحتمل أن يكون جملة جاء حالا من المجئ، أى جاءه أو جاء وهو أى المجئ مجازا وإنما قيل مرحبا به لا مرحبا بك، لأنه حيا قبل فتح الباب وقبل صدور الخطاب من النبى - صلى الله عليه وسلم - أو للتعظيم لأن الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب، والمتكلم بذلك هو ملك غير صاحب السماء وقيل هو صاحبها إسماعيل المذكور، وقيل جماعة وهكذا سائر السماوات، ففتح الملك لما فلما قطعا غلظ السماء وجد فيها آدم كهيئته يوم خلق على صورته وجماله تعرض عليه أرواح الأنبياء وذريته المؤمنين بعد موتهم، فيقول روح طيبة نفس طيبة، وهذا عطف تفسير على أن الروح والنفس واحدة وهو الراجح، اجعلوها فى عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار، فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها فى سجين، وعن يمينه أسودة وباب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله أسودة وباب يخرج منه ريح خبيثة وإذا نظر قبل يمينه ضحك واستبشر وإذا نظر قبل شماله حزن وبكى فسلم عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه السلام، ثم قال مرحبا بالابن الصالح، والنبى الصالح، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - من هذا يا جبريل. قال أبوك آدم وهذه الأسودة نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، وأهل الشمال منهم أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، وهذا الباب الذى عن يمينه باب الجنة إذا نظر من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذى عن يساره باب جهنم، إذا نظر من يدخله من ذريته بكى وحزن، وقوله اجعلوها فى عليين، وقوله اجعلوها فى سجين تفويض من الله الأمر إليه فهو يقضى بحكم الله السابق والأسودة جمع سود وهى أرواح لم تدخل الأجساد ستخلق أجسادها بعد فهى غير المعروضة، وكرر الصلاح فى وصف النبى - صلى الله عليه وسلم - مع ذكر النبوة، وذكر النبوة بصلاحيته لكل من النبوة الكاملة والنبوة والصالح هو القائمة بحقوق الله سبحانه وحقوق العباد وإن قلت أرواح المؤمنين فى عليين، وأرواح الكفار فى سجين، قال الله عز وجل { لا تفتح لهم أبواب السماء } قلنا يحتمل أن تلك الأرواح التى فى السماء هى التى لم تدخل فى الأجساد وقد تقرر أن الأرواح خلقت قبل الأجساد أو أنها أرواح الأجساد حين خروجها وقيل استقرارها فى عليين أو سجين أو رآها من مكانه وهى فى محالها أو مثلت له حالة الأرواح فى الآخرة فليست أرواحا حقيقية أو كانت تعرض عليه الأرواح فى بعض الأوقات أو عرضت عليه فى ذلك الوقت فوافق المعراج، وفى بعض ذلك منافرة لقوله اجعلوها فى عليين اجعلوها فى سجين، إلا أن يقال معناه الاستبشار والتحسر أو معناه أبقوها كما هى ولا ينافى كون باب الجنة عن يمينه وباب النار عن يساره ما قيل أن الجنة فى السماء السابعة والنار تحت الأرض السابعة، لأن الشئ قد يكون عن يمينك أو يسارك وهو أعلى أو أسفل وكان آدم فى السماء لأنه أول الآباء وأول الأنبياء والرسل وهو الأصل ولأجل تأسيس النبوة بالأبوة فى أول انتقاله إلى العالم العلوى والتنبيه على ما سيقع له - صلى الله عليه وسلم - من خروجه من مكة ثم عودة إليها كخروج آدم من الجنة ثم عودة إليها وكلا الخروجين بسبب العدو، ثم مضى قليلا فوجد أكلة الربا وأموال اليتامى والزناة وغيرهم على حالة شنيعة بنحو ما تقدم من الحالة التى رآهم عليها قبل صعوده وأشنع، وروى البخارى عن شريك أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى فى السماء الدنيا النيل والفرات أصلهما والمشهور أن أصلهما تحت سدرة المنتهى ويجمع بأن أصل نبعهما من تحتها ومقرهما فى السماء الدنيا ومنها ينزلان إلى الأرض، ووقع فى هذه الرواية أيضا ما نصه ثم مضى به فى السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر عليه قصور من لؤلؤ وزبرجد، وأنه الكوثر وهو مما استشكل من رواية شريك فإن الكوثر من الجنة وهى فى السماء السابعة وأجيب بأن التقدير ثم مضى فى السماء الدنيا إلى السماء السابعة فإذا هو نهر ثم صعد إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من هذا.
قال جبريل. قيل ومن معك. قال محمد. قيل أو قد أرسل إليه. قال نعم. قيل مرحبا به وأهلا حياه الله من أخ، ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء فلما خلصا إذا هو بابنى الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، شبيه أحدهما لصاحبه بثيابهما وشعرهما ومعهما نفر من قومهما، وإذا بعيسى جعد الشعر ليس طويله ولا قصيره من نوع إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس أى مسترسل الشعر كأنما خرج من ديماس أى حمام والحمام والطاعون والزجاج والقص والصابون من عمل الجن وشبهه - صلى الله عليه وسلم - بعروة بن مسعود الثقفى فسلم عليهما فردا عليه السلام، ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح، والنبى الصالح ودعوا له بخير توافقت الأنبياء والرسل فى مخاطبة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - بصيغة واحدة وذلك من وقوع الخطر وذلك لأنهم على قلب واحد ولسان واحد وكذا توافقت الملائكة فى سؤال جبريل والكلام معه فى شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن قلت لم لم يسل عن عيسى ويحيى عليهما السلام، قلنا لعل وجهه أنه رأى عيسى عليه السلام فى بيت المقدس حيا فرآه فى السماء كما رآه فى الأرض، لأن ذاته لم يحصل فيها تغير ويعلم أن يحيى مع عيسى فى محل فلم يسأل عنهما بخلاف غيرهما فإنه تغيرت حالته فى السماء، فسأل عنه وكل منهم قد رفع له من قبره إلى بيت المقدس وإلى السماوات بالروح والجسد عند بعض، وحكمة رؤية عيسى ويحيى فى السماء الثانية أنهما الممتحنان باليهود أما عيسى فكذبته اليهود وأذته وهموا بقتله فرفعه الله، وأما يحيى فقتلوه ففيه الإشارة إلى ما وقع له - صلى الله عليه وسلم - فى السنة الثانية من الهجرة من امتحانه باليهود، أذوه وعادوه وهموا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجاه الله منهم كما نجى عيسى منهم، ثم سموه فى الشاة فلم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره وتوفى شهيدا - صلى الله عليه وسلم - فعيسى طلب الانتصار عليهم بقوله
من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله
كذاب نبينا - صلى الله عليه وسلم - طلب الانتصار، فى السنة الثانية للخروج إلى بدر العظمى فأجباوه ونصروه ولأنه أقرب الأنبياء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما نسخت شريعته إلا شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه ينزل فى آخر الزمان لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على شريعتهم ويحكم بها، وإذا قال - صلى الله عليه وسلم - أنا أولى الناس بعيسى وكان يحيى معه لأنه ابن خالته وهما كالشئ الواحد وهذا ما يفيده ظاهر الحديث، أن مريم أخت أم يحيى، وعليه مالك وجماعة، وقيل أم مريم أخت أم يحيى فعيسى ابن بنت خاله يحيى ابن خالة أم عيسى، فهما أبناء خالة كما فى الحديث لكن بواسطة ثم صعد إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، فقيل من هذا. قال جبريل، قيل ومن معك. قال محمد. قيل قد أرسل إليه. قال نعم. قيل مرحبا به وأهلا وسهلا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجئ جاء ففتح لهما فما خلصا إذا هو بيوسف ومعه نفر من قومه، فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح أى كامل فى الصلاح والمراد بالأخوة أخوة النبوة، وهكذا فى مثل هذا ودعا له بخير وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، وفى رواية أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال من هذا يا جبريل.
قال أخوك يوسف، أى شطر الحسن المنقسم بين الناس غير نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه قد أعطى الحسن الكامل كما قال البوصيرى
منزه عن شريك فى محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
ولم يحصل الافتتان به كيوسف عليه السلام لأن حسن يوسف لم يكن عليه غطاء، وحسن نبينا - صلى الله عليه وسلم - غطى بالجلال والمهابة والمتكلم لا يدخل فى عموم كلامه إلا بقرينة فلا يقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاسم للناس فى الشطر الباقى ولا يقال إنه داخل فى قوله احسن ما خلق الله وقوله قد فضل الناس، وقال ابن المنير جد الدمامينى إن المراد أنه أعطى شطر الحسن الذى أوتيه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا، قيل حكمة رؤيته - صلى الله عليه وسلم - يوسف عليه السلام فى السماء الثالثة ثلاثة أمور الأول الإشارة إلى حاله فى السنة من الهجرة تشبه حالة يوسف وما جرى له مع أخوته الذين أخرجوه من بين أظهرهم ثم ظفر بهم فصفح عنهم، وقال لا تثريب عليكم اليوم وكذا نبينا - صلى الله عليه وسلم - جرى له مع قريش كذلك نصبوا له الحرب وأرادوا هلاكه، وكانوا سببا فى إخراجه من بين أظهرهم ثم ظفر بهم فى غزوة الفتح فصفح عنهم وقال أقول كما قال أخى يوسف لا تثريب عليكم اليوم، وفى هذا نظر فإنه لا يختص بالسنة الثالثة. الثانى أن المناسبة أن السنة الثالثة من سنى الهجرة وقعت فيها غزوة أحد ومما اتفق فيه من المناسبة شيوع قتل النبى - صلى الله عليه وسلم - فناسب ما حصل للمسلمين من الأسف على فقد نبيهم ما حصل ليعقوب من الأسف لاعتقاد فقده إلى أن وجد ريحه بعد تطاول الأمد الثالث أن يوسف كيد وألقى فى غيابات الجب حتى استنقذه الله تعالى على يد من شاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقع يوم أحد فى حفرة حفرها أبو عامر الفاسق لعنه الله مكيدة المسلمين على جنبه فضرب بالحجارة على جبهته فأخذ على بيده واحتضنه طلحة حتى قام - صلى الله عليه وسلم - وقال ابن أبى جمرة - حكمة ذلك أن أمة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - تدخل الجنة على حسن يوسف، فأرى له فى الثالثة تبشيرا ثم صعد إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من هذا.
ناپیژندل شوی مخ