الفتوحات المکيه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
خپرندوی
دار إحياء التراث العربي
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1418هـ- 1998م
د خپرونکي ځای
لبنان
اتفق علماء الشريعة على أن مسحه من فرائض الوضوء واختلفوا في القدر الواجب منه فمن قائل بوجوب مسحه كله ومن قائل بوجوب مسح بعضه واختلفوا في حد البعض فمن قائل بوجوب الثلث ومن قائل بوجوب الثلثين ومن قائل بالربع ومن قائل لا حد للبعض وتكلم بعض هؤلاء في حد القدر الذي يمسح به من اليد فمن قائل أن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه ومن قائل لا حد للبعض لا في الممسوح ولا فيما يمسح به وأصل هذا الخلاف وجود الباء في قوله تعالى ' برؤسكم ' وصل حكم المسح في الباطن فأما حكم مسح الرأس في الباطن اعتبارا فإن لرأس من الرياسة وهي العلو والارتفاع ومنه رئيس القوم أي سيدهم الذي له الرياسة عليهم ولما كان أعلى ما في البدن في ظاهر العين وجميع البدن تحته سمى رأسا إذ كان الرئيس فوق المرؤس بالمرتبة وله جهة فوق وقد وصف الله نفسه بالفوقية لشرفها قال تعالى يخافون ربهم من فوقهم وقال وهو القاهر فوق عباده فكان الرأس أقرب عضو في البدن إلى الحق لمناسبة الفوق ثم له شرف آخر بالمعنى الذي رأس به على أجزاء البدن كلها وهو كونه محلا جامعا حاملا لجميع القوى كلها المحسوسة والمعقولة المعنوية فلما كانت له أيضا هذه الرياسة من هذه الجهة سمى رأسا ثم إن العقل الذي جعله الله أشرف ما في الإنسان جعل محله أعلى ما في الرأس وهو اليافوخ فجعله ممايلي جهة الفوقية ولما كان الرأس محلا لجميع القوى الظاهرة والباطنة ولكل قوة منها حكم وسلطان وفخر يورثه ذلك عزة على غيره كقصر لذلك على سائر دور السوقة وجعله الله محال هذه القوى من الرأس مختلفة حتى عمت الرأس كله أعلاه ووسطه ومقدمه ومؤخره وكل قوة كما ذكرنا لها عزة وسلطان وكبرياء في نفسها ورياسة فوجب أن يمسحه كله وهو اعتبار من يقول بوجوب مسح الرأس كله لهذه الرياسة السارية فيه كله من جهة حمله لهذه القوى المختلفة الأماكن فيه بالتواضع والإقناع لله فيكون لكل قوة إذا عم المسح مسح مخصوص من مناسبة دعواها فيردعها بما يخصها من المسح فيعم بالمسح جميع الرأس ومن يرى أن للرأس رأسا عليه كما أن الولاة من جهة السلطان يرجع أمرهم إليه فإنه الذي ولاهم رأي كل وال إن فوقه وال عليه هو أعلى منه له سلطان على سلطانه كالقوة المصورة لها سلطان على القوة الخيالية فهي رئيسة عليها وإن كانت لها رياسة أعني القوة الخيالية فمن رأى هذا من العلماء قال بمسح بعض الرأس وهو التهمم بالأعلى ثم اختلف أصحابنا في هذا البعض فكل عارف قال بحسب ما أعطاه الله من الإدراك في مراتب هذه القوى فهو بحسب ما يراه ويعتبره فأخذ يمسح في المصلى في مقام مناجاة ربه وهي الوصلة المطلوبة بالطهارة والعزيز الرئيس إذا دخل على من ولاه تلك العزة والرياسة نزل عن رياسته وذله عن عزه بعز من دخل عليه وهو سيده الذي أوجده فيقف بين يديه وقوف غيره من العبيد الذين أنزلوا نفوسهم بطلب الأجرة منزلة لا جانب فوقف هذا العبد في محل الإذلال لا بصفة الأدلال بالدال اليابسة فمن غلب على خاطره رياسة بعض القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي يطلبها بهبذه العبادة ولهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من علامة الفراق وهو المصيبة العظمى إذ كان الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه فلما كان المطلوب بهذه العبادة الوصلة لا الفرقة لهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم فامسح على حد ما ذكرناه لك ونبهناك عليه وتفصيل رياسات القوى معلوم عند الطائفة لا احتاج إلى ذكره وأما التبعيض في اليد التي يمسح بها واختلافها في ذلك فاعمل فيه كما تعمل في المسوح سواء فإن المزيل لهذه الرياسة أسباب مختلفة في القدرة على ذلك ومحل ذلك اليد فمن مزيل بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب كما يمسح الإنسان بيده رأس اليتيم جبرا لانكساره بلطف وحنان فلهذا ترجع بعضية اليد في المسح وكليته فاعلم ذلك ولما كان الموجب لهذا الخلاف عند العلماء وجود الباء في قوله برؤسكم فمن جعلها للتبعيض بعض المسح ومن جعلها زائدة للتوكيد في المسح عم بالمسح جميع الرأس وإن الباء في هذا الموضع هو وجود القدرة الحادثة فلا يخلوا ما أن يكون لها أثر في المقدور فتصح البعضية وهو قول المعتزلي وغيره وأما أن لا يكون لها أثر في المقدور بوجه من الوجوه فهي زائدة كما يقول الأشعري فيسقط حكمها فتعم القدرة القديمة مسح الرأس كله لم تبعض مسحه القدرة الحادثة ويكون حد مراعاة التوكيد من كونها زائدة للتوكيد هو الاكتساب الذي قالت به الأشاعرة وهو قوله تعالى في غير موضع من كتابه بإضافة الكسب والعمل إلى المخلوق فلهذا جعلوا زيادتها لمعنى يسمى التوكيد ألا ترى العرب تقابل الزائد بالزائد في كلامها تريد بذلك التوكيد وتجيب به القائل إذا أكد قوله يقول القائل إن زيدا قائم أو يقول ما زيد قائما فيقول السامع في جواب إن زيدا قائم ما زيد قائما وفي جواب ما إن زيدا قائم فيثبت ما نفاه القائل أو ينفي ما أثبته القائل فإن أكد القائل إيجابه فقال إن زيدا لقائم فأدخل اللام لتأكيد ثوبت القيام أدخل المجيب الباء في مقابلة اللام لتأكيد نفي ما أثبته القائل فيقول ما زيد بقائم ويسمى مثل هذا زائدا لأن الكلام يستقل دونه ولكن إذا قصد المتكلم خلاف التبعيض وأتى بذلك الحرف للتأكيد فإن قصد التبعيض لم يكن زائدا ذلك الحرف جملة واحدة والصورة واحدة في الظاهر ولكن تختلف في المعنى والمراعاة إنما هي لقصد المتكلم الواضع لتلك الصورة فإذا جهلنا المعنى الذي لأجله خلق سبحانه لتمكن من فعل بعض الأعمال نجد ذلك من نفوسنا ولا ننكره وهي الحركة الاختيارية كما جعل سبحانه فينا المانع من بعض الأفعال الظاهرة فينا ونجد ذلك من نفوسنا كحركة المرتعش الذي لا اختيار للمرتعش فيها لم ندر لما يرجع ذلك لتمكن الذي نجده من نفوسنا هل يرجع إلى أن يكون للقدرة الحادثة فينا أثر في تلك العين الموجودة عن تمكننا أو عن الإرادة المخلوقة فينا فيكون التمكن أثر الإرادة لا أثر القدرة الحادثة من هنا منشأ الخلاف بين أصحاب النظر في هذه المسئلة وعليه ينبني كون الإنسان مكلفا لعين التمكن الذي يجده من نفسه ولا يحقق بعقله لماذا يرجع ذلك التمكن هل لكونه قادرا أو لكونه مختارا وإن كان مجبورا في اختياره ولكن بذلك القدر من التمكن الذي يجده من نفسه يصح أن يكون مكلفا ولهذا قال تعالى ' لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها فقد أعطاها أمرا وجوديا ولا يقال أعطاها لا شيء وما رأينا شيأ أعطاها بلا خلاف إلا التمكن الذي هو وسعها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وما يدري لماذا يرجع هذا التمكن وهذا الوسع هل لأحدهما أعني الإرادة أو القدرة أو لأمر زائد عليهما أو لهما ولا يعرف ذلك إلا بالكشف ولا يتمكن لنا إظهار الحق في هذه المسئلة لأن ذلك لا يرفع الخلاف من العالم فيه كما ارتفع عندنا الخلاف فيها بالكشف وكيف يرتفع الخلاف من العالم والمسئلة معقولة وكل مسئلة معقولة لابد من الخلاف فيها لاختلاف الفطر في النظر فقد عرفت مسح الرأس ما هو في هذه الطريقة وبقي من حكمه المسح على العمامة وما في ذلك من الحكم وصل في المسح على العمامة فمن علماء الشريعة من أجاز المسح على العمامة ومنع من ذلك جماعة فالذي منع لأنه خلاف مدلول الآية فإنه لا يفهم من الرأس العمامة فإن تغطية الرأس أمر عارض والمجيز ذلك لأجل ورود الخبر الوارد في مسلم وهو حديث قد تكلم فيه وقال فيه أبو عمر بن عبد البر أنه معلول وصل مسح العمامة في الباطن وأما حكم المسح على العمامة في الباطن فاعلم أن الأمور العوارض لا يعارض بها الأصول ولا تقدح فيها فالذي ينبغي لك أن تنظر ما السبب الموجب لطرد ذلك العارض فلا يخلوا ما أن يكون مما يستغنى عنه أو يكون مما يحصل الضرر بفقده فلا يستغنى عنه فإن استغنى عنه فلا حكم له في إزالة حكم الأصل وإن لم يستغن عنه وحصل الضرر بفقده كان حكمه حكم الأصل وباب منابه وإن بقي من الأصل جزء ما ينبغي أن يراعى ذلك الجزء الذي بقي ولابد ويبقى ما بقي من الأصل ينوب عنه هذا الأمر العارض الذي يحصل الضرر بفقده هذا مذهبنا فيه ولهذا ورد في الحديث الذي ذكرنا أنه معلول عند بعض علماء هذا الشأن إن المسح وقع على الناصية والعمامة معا فقد مس الماء الشعر فقد حصل حكم الأصل في مذهب من يقول بمسح بعض الرأس فلو لبس العمامة للزينة لم يجز له المسح عليها بخلاف المريض الذي يشد العمامة على رأسه لمرضه فما ورد ما يقاوم نص القرآن في هذه المسئلة إيضاح فإذا عرض لأهل هذه الطريقة عارض يقدح في الأصل كفعل السبب للمتجرد عن الأسباب أو التبختر والرياسة في الحرب فإن كلامنا في مسح الرأس وله التواضع والتكبر ضرب المثل به أولى ليصل فهم السامع إلى المقصود مما يريده في هذه البعادة فإن أثر ذلك الزهو إظهار الكبر في عبودية الإنسان فنسيان كبرياء ربه عليه وعزته سبحانه وحجبه عن ذلك فلا يفعل ويطرح الكبرياء عن نفسه ولابد ولا يجوز له التكبر في ذلك الموطن لقدحه في الأصل وإن لم يؤثر في نفسه بل ذلك أمر ظاهر في عين العدو وهو في نفسه في ذلته وافتقاره جاز له صورة التكبر في الظاهر لقرينة الحال بحكم الموطن فإنه لم يؤثر في الأصل هكذا حكم المسح على العمامة وهو إن قدح أخذك للسبب في اعتمادك على الله بقلبك فلا تأخذه ولا تستعمله ما لم يؤد إلى ما هو أعظم منه في البعد عن الله وإن لم يؤثر في الاعتماد عليه فامسح ببعض يدك ولا حرج عليك فإن طرح السبب من اليد بعض أفعال اليد لأن مجموع اليد في المعنى أمور كثيرة فإنها تتصرف تصرفات كثيرة مختلفات المعاني في الأمور المشروعة والأحكام فإن لها القبض والبسط والاعتدال قال تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وهو كناية عن البخل ولا تبسطها كل البسط وهو كناية عن السرف وكذلك مدح قوما بمثل هذا فقال تعالى ' والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ' وهو العدل في الإنفاق وكذلك قال تعالى ' ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ' وهو هنا البخل فنسب ذلك كله إلى الأيدي فلهبذا قلنا لها أفعال كثيرة ولولا وجود الكثرة ما صحت البعضية لأن الواحد لا يتبعض وصل في توقيت المسح على الرأس بقي من تحقيق هذه المسئلة التوقيت في المسح على الرأس هل في تكراره فضيلة أم لا فمن الناس من قال أنه لا فضيلة فيه ومنهم من قال إن فيه فضيلة وهذا يستحب في جميع أفعال الوضوء في جملة أعضائه سواء غير أنه يقوي في بعض الأعضاء ويضعف في بعض الأعضاء أعني التكرار ولا خلاف في وجوب الواحدة إذا عمت العضو فأما مذهبنا في الأصل فلا تكرار في العالم للاتساع الإلهي فنمنع هذا اللفظ ولا نمنع وجود الأمثال بالتشابه الصوري فنعلم قطعا أن الحركات يشبه بعضها بعضا في الصورة وإن كانت كل واحدة منها ليست عين الأخرى فمذهبنا أن ننظر حكم الشارع في ذلك فإن عدد بالأمثال عددنا بالأمثال كما نقول عقيب الصلاة سبحان الله ثلاثا وثلاثين فمثل هذا لا نمنعه فقد يقع التعدد في عمل الوضوء تأكيد الإزالة حكم الغفلات السريعة الحكم في الإنسان فعلى فهذا يكون في التكرار فضيلة فإن تيقن بالحضور فلا فضيلة فإن الفضل هو الزائد وما زاد هذا المتوضي حكما بوجود غفلة أو سهو فيكرر فلم تصح الزيادة ولكن الصحيح عندنا إن التكرار فيه فضيلة لأنه نور على قدر ما حده الشارع المبين للأحكام وقد ورد في الكتاب والسنة في تشبيه نور الله بالمصباح في الزجاجة في المشكاة الآية بكمالها وقال في آخرها نور على نور أي ورد في نرو على نور كالدليلين والثلاثة على المدلول الواحد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء على الوضوء نور على نور ولا فرق بين ورود الوضوء على الوضوء وبين ورود الغرفة الثانية الواردة على الأولى في الوضوء وتكرار العمل من العامل يوجب تكرار الثواب والتجلي فأما في الأعضاء كلها فالثابت التكرار وما كان الخلاف إلا في الرأس والأذنين والرجلين وقد أومأنا إلى ما ينبغي في ذلك .
باب مسح الأذنين وتجديد الماء لهما
مخ ۴۲۴