قحوط المطر، فقال: "اجثوا على الرُّكَب وقولوا: يا رب، يا رب" ففعلوا فسُقُوا (١)؛ ولأجل ذلك كان غالب أدعية القرآن مفتتحًا بذكر الرب.
(ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي) بضم أوله المعجم، وكسر ثانيه المعجم المخفف (بالحرام) أحوال؛ أي: أنه يطيل السفر في القُرَب، ويمد يديه إلى ربه يسأل منه، والحال أنه ملابسٌ للحرام أكلًا وغيره (فأنَّى يُستجاب لذلك) أي: فكيف، ومن أين يستجاب لمن هذه صفته، فهو استبعادٌ لإجابة دعائه، مع قبيح ماهو متلبِّسٌ به؛ لأنه ليس أهلًا لها حينئذ لاتصافه بقبيح المخالفات، وليس إحالة لها؛ لإمكانها مع ذلك تفضُّلًا وإنعامًا، فعُلم أن اجتناب الحرام في جميع ذلك شرطٌ لإجابة الدعاء، وأن تناوله مانعٌ لها غالبًا (٢).
وسرُّه: أن مبدأ إرادة الدعاء القلبُ، ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان، فينطق به، وتناوُلُ الحرام مفسدٌ للقلب كما هو مُدرَكٌ بالوجدان، فيحرم الرِّقةَ والإخلاص، وتصير أعماله صورًا لا روح فيها، وبفساده يفسد البدن كلُّه كما مر، فيكون الدعاء فاسدًا؛ لأنه نتيجة فاسد.
وأخرج الطبراني بإسنادٍ فيه نظرٌ عن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما قال: تُلِيَتْ عند رسول اللَّه ﷺ هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاصٍ وقال: يا رسول اللَّه؛ ادع اللَّه أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له النبي ﷺ: "يا سعد؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده؛ إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من سحتٍ. . فالنار أَولى به" (٣).
ومن ثَمَّ قيل له: لِمَ تستجابُ دعوتُك من دون الصحابة؟ فقال: (ما رفعت إلى
(١) المعجم الأوسط (٥٩٧٨) عن سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٢) قال بعض السلف: لا تسبطئ الإجابة وقد سددتَ طرقها بالمعاصي، وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال: (من الخفيف)
نحن ندعو الإلهَ في كلِّ كربٍ ... ثم ننساه عند كشفِ الكروبِ
كيف نرجو إجابةَ لدعاءٍ ... قد سددنا طريقها بالذنوبِ
(٣) المعجم الأوسط (٦٤٩١).
1 / 290
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]