وأما حاجاته اليومية فكان يقوم بأدائها طائفة خارجة عن هيئة الكهنة تخدمه بالتناوب بمعبد «أنوبيس»، ولأن ذلك المعبد كان على مقربة من الجبانة، كان أولئك الخدم يذهبون كل يوم بعد الفراغ من تأدية أعمالهم في المعبد حاملين نصيبا من الخبز مع إناء مملوء بالجعة ويضعونهما أمام تمثال «حبزافي» (الذي يكون منصوبا فوق السلم السفلي لقبره). وعلى ذلك كان لا يمضي يوم واحد من أيام السنة لا يتسلم فيه «حبزافي» ما يلزمه من الطعام والشراب.
6
وإن مثل تلك الاعتقادات والعادات لتدل على شدة تمسك قدماء المصريين بتلك التقاليد المادية الخاصة بالحياة في عالم الآخرة، التي هي في نظرهم الضمان الوثيق لاستمرار بقاء جثمان المتوفى بعد الموت، بالرغم مما ظهر من الأفكار التي ألقت ضوءا جديدا على ضرورة التحلي بالأخلاق الفاضلة استعدادا لاستقبال الحياة الآخرة فيما بعد الموت.
على أن بقاء إمداد الأشراف المتوفين بمثل ذلك العتاد المادي إلى الأبد، كان بالطبع من المستحيل؛ ولذلك قال «خنوم حتب» أحد الأمراء الإقطاعيين ذوي البأس في «بني حسن» فيما يختص بأوقافه الجنازية: «وأما فيما يتعلق بالكاهن الجنازي أو أي شخص آخر يعبث بها فإنه لن يستمر بعد وابنه لن يستمر بعده في هذا المكان» (يعني مشرفا على حراسة مدفنه). فيظهر من هذا خوف الشريف المذكور من عدم دوام تقديم العتاد المادي له بعد الموت، ومثل هذه المخاوف كثيرة، تردد ذكرها الوثائق التي من هذا القبيل.
وكذلك قد شاهدنا أيضا أن «حبزافي» ذاك كان يبدي مخاوفه من انقطاع ذراريه عن تقديم العتاد المادي لحياته الآخرة. وليس ذلك بغريب، فنحن أبناء هذا العصر الحديث لا يكاد يدفعنا البر نحو الاهتمام بقبر جد من أجدادنا الذين رحلوا عنا إلى الحياة الآخرة. وفي بلاد جديدة مثل بلادنا (يقصد الولايات المتحدة بأمريكا) لا يوجد إلا النزر اليسير من بيننا الذين يعرفون أين دفن آباء أجدادهم.
فالمفهوم أن كهنة «أنوبيس» و«وبوات» وحراس الجبانة بأسيوط كانوا يواصلون أداء واجباتهم ما دام كاهن «حبزافي» الجنازي يتسلم مرتباته، وما دام مخلصا في القيام بالتزاماته بأن يذكرهم بالقيام بما عليهم من الواجبات ويلاحظ تنفيذها.
وقد رأينا أن وقفا من مثل تلك الأوقاف استمر نافذ المفعول إلى ما بعد تغيير الأسرة نفسها (من الأسرة الرابعة إلى الخامسة) واستمر على أقل تقدير حوالي ثلاثين أو أربعين سنة في منتصف القرن الثامن والعشرين ق.م. وحتى في الأسرة الثانية عشرة نجد أنه كان لا يزال يوجد احترام عظيم في مصر العليا للأجداد من الدولة القديمة؛ فقد قام حكام مقاطعة «البرشة»
7
في القرن التاسع عشر والعشرين من قبل الميلاد، بإصلاح مقابر أجدادهم التي كانت ترجع إلى عصر الأهرام، مع أن تلك المقابر كان قد مضى عليها حينئذ أكثر من 600 سنة، وكانت متداعية خربة. وقد اعتاد الحاكم التقي الورع أن يسجل ما يفعله من مثل هذه الإصلاحات بالكلمات التالية: «إنه (يعني حاكم المقاطعة) قد عملها تخليدا منه لذكرى أجداده الذين في الجبانة، الذين هم أرباب ذلك المرتفع، فأصلح ما وجده مخربا وجدد ما وجده مهدما، ولم يقم أسلافه الذين كانوا قبله بذلك.» ونجد أن أشراف تلك المقاطعة قد استعملوا تلك الصيغة في مقابر أجدادهم خمس مرات، كما نجد أن «أنتف» أمير «أرمنت» قد اتبع نفس تلك الطريقة، حيث يقول: «لقد وجدت مزار الأمير «ناخت يوكر» آل إلى الدمار، فجدرانه قديمة وتماثيله محطمة ولم يعتن به أي إنسان، فبنيته من جديد وزدت في بنائه، وجددت تماثيله، وأقمت بالحجارة أبوابه، حتى يصير مكانه ممتازا عن أماكن الأمراء العظام الآخرين.»
على أن القيام بمثل ذلك البر للأجداد الراحلين كان نادرا جدا، وفي الحالات التي تم فيها شيء من ذلك لم تكن له فائدة أكثر من تأخير وقوع ذلك اليوم المشئوم الذي تزول فيه تلك الآثار جملة. والمدهش في ذلك أنهم، مع وجود مقابر أجدادهم مخربة أمامهم، كانوا لا يزالون يقيمون لأنفسهم تلك الأضرحة التي كان محتوما عليها أن تلقى مثل ذلك المصير.
ناپیژندل شوی مخ