368

فضايلي ثقلين

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل‏

ژانرونه

ولا يمكن أن يتأدى هذه المعاني الدقيقة المحققة بلفظ أحسن من هذه الألفاظ، فجزى الله المرتضى أمير المؤمنين من بيانه للحقائق، وإرشاد السالكين إلى أمثل الطرائق، أفضل ما يجزي نبي وصي عن وصيه، وولي عن وليه.

1042 ومن بدائع كلماته (عليه السلام) وروائع عطائه ما كتب إلى ابنه الإمام أبي محمد الحسن (عليهما السلام) والتحية:

بسم الله الرحمن الرحيم.

من الوالد الفاني المقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، التارك لها، الساكن مساكن الموتى، الظاعن إليهم غدا إلى الولد، المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت، وقريع الهموم، وقرين الأحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وحليف الموت، أو قال: وخليفة الأموات.

أما بعد ، فإنه كان فيما تبين لي من إدبار الدنيا عني، وجموح الدهر علي، وإقبال الآخرة إلي، ما يزعني عن ذكر من سواي، والاهتمام بما ورائي، غير أنه حيث تفرد بي- دون هم الناس- همي، فصدقني رأيي، وتصرف بي هوائي، وصرح لي بمحض أمري، فأفضى بي إلى جد لا يزري به لعب، وصدق لا يشوبه كذب، ووجدتك بعضي، بل وجدتك مني كلي، حتى لو أن شيئا أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك يا بني كتابي هذا، إن أنا بقيت لك أو فميت.

أوصيك بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكر الله تعالى وتبارك، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب فيما بينك وبين الله تعالى إن أخذت به، فأحيي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهد، وذلله بذكر الموت، وقوه باليقين، وقرره بالفناء، وزهده في الدنيا، وبصره بفجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، واخش تقلب الأيام، وأعرض عن الجهل، وانظر من كان قبلك سيرة في ديارهم وآثارهم، فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعما انتقلوا، فإنك تجدهم قد انقلبوا عن دار الأحياء، وانتقلوا عن الأحبة وحلوا دار الغربة، وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية، أين أهلك؟ ثم قف على قبورهم، فقل: أيتها الأجساد البالية، والعظام النخرة،

مخ ۳۹۸