دلیل و برهان
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
والوجه الآخر من لا يوجب من المسائل التي لا يسع جهلها عند أبي الربيع نسيانا ويسع غيره حتى تقوم الحجة عليه، وهذه الطريقة لم يرد عن أحد من العلماء التشديد فيها ولا التنبيه فيها ولا التوقف عليها ولا القصد إليها.
وأما على رأي من وسع المشايخ من أول وهلة: عمروس بن فتح وعزان بن الصقر وأبو خزر يغلا بن زلتاف وابن زرقون والإمام عبد الرحمن ابن رستم - رضي الله عنهم - من أمثالها.
فمن جهلها من الأصل فلا بأس ولا شيء عليه، إلا أن ذكر فلم يذكر، فمن نسيها بعد علمها ذهلا فلا حرج عليه، ومن نسيها جهلا فهو إلى الجحود اقرب وإلى الإنكار أصوب.
والنسيان فرع الجهل، فمهما وسعه الجهل من أول مرة كان النسيان أوسع، والنسيان فرع والجهل أصل، والفرع أضعف من الأصل والأصل أقوى.
وأما الشهادتان اللتان على العبد من أول وهلة فلن يسع نسيانهما جهلا ووسع ذهلا.
ووجه آخر من النسيان: من قامت عليه الحجة بسورة أو آية من القرآن، أو نبي من الأنبياء كموسى وعيسى، أو قصة من القصص، أو فريضة من الفرائض في المواريث أو غيرها، أو شيء من المحرمات من الفواحش والمعاصي، أو خبر من الأخبار، فقامت عليه الحجة به وأخذه نصا أو استخراجا ثم نسيه، فإن كان ذهلا فلا كلام، وإن كان جهلا اختلف المشايخ فيه.
فالمشددون قالوا: إن هذا هو الرجوع عن العلم، وقامت به عليه الحجة إلى حلافة، فهذا هالك.
وقال الآخرون: ليس هذا رجوعا كما عليه، وليس في نسيانه في ذهله أو جهله شيء، إذا رجع كأول مرة من قبل أن تقوم عليه الحجة.
وإنما الرجوع عن العلم: أن يرجع إلى القول بخلاف ما علم أول مرة، فهذا هو الرجوع، وهذه القولة أصوب فيما يليق بالباري سبحانه، ولا سيما أن الدين يسر.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة» (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وقول رسول الله عليه السلام: «لا تشادوا هذا الدين فإن من شاده يغلبه».
مخ ۱۹۱