190

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها، يفهمها من عرف منطق الطير، ويجحدها من عجز عن الابضاع في البر، فضلا عن أن يجول في حق الملكوت جولان الطير. فنقول: - إن لله سبحانه في جلاله وكبريائه صفة، يصدر الخلق والاختراع عنها، وتلك الصفة أعلى وأجل أن تلمحها عين واضع اللغة، حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن في العالم لها عبارة، لعلو شأنها، وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمد طرفة إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذواتها أبصارهم، كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر الذين فتحت أبصارهم ملاحظة جلالها، من أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تريهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا واستعاروا لها اسم القدرة، فتجاسرنا لسبب استعارتهم عن النطق فقلنا:

لله تعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر الخلق والاختراع.

ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات، ومصدر انقسامها واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعيرت لها بمثل الضرورة التي سبقت عبارة المشيئة.

فمن توهم أمرا عملا عند المتناطقين، فاللغات التي هي حروف وأصوات المتفاهمين، وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفات وحقيقتها، كقصور لفظ القدرة عن كنه القدرة.

ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى من ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها، إلى ما يقف دون الغاية.

فكان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة، لرجوعها إلى الاختصاصات التي تسير القسمة والاختلافات، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبوب واستعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة.

وقيل: إنهما جميعا توهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا عملا عند طالب الفهم من الألفاظ واللغات.

مخ ۲۵