ولكن نحن العقلاء، ليس فينا واحد، يخلو منها، أو بالأحرى من بذرتها كما نرى فيما يلي: (1)
النيوروز هو احتداد أو توتر العاطفة وملازمتها، كأن يتسلط علينا الخوف من الإفلاس أو الموت أو المرض، أو يتسلط على الزوجة الغيرة، أو يتسلط علينا هم لا يبارحنا، فهنا نيوروز يجعل حياتنا عظيمة وهو يبدد قوتنا النفسية ولا يخف بخواطر اليقظة أو الحلم، كما أننا لا نستطيع تسليط الوجدان على العاطفة هنا؛ لأنها طاغية فتعجز عن معالجة الموضوع بالمنطق والتعقل والنظر الموضوعي؛ لأن تسلط العاطفة يجعلنا ننظر النظر الذاتي، والنيوروز يتسم بأنه قسري.
ونحن العقلاء نجد ألوانا من هذا النيوروز المخفف في عواطف تتملكنا التملك القسري في وقت ما، حين نستسلم لخواطر الغضب أو الخوف، والهم إذا طغى صار نيوروزا، وإذا خف لم يعد شيئا يؤبه به؛ لأن كلا منا إلى حد ما يجده.
وقد يقدح النيوروز؛ أي: تتفاقم العاطفة وتثقل، وعندئذ نخترع؛ أي: نتخيل علاجا زائفا هو السيكوز.
فأنا السليم الذي منع عني الطبيب الطعام أضيق بعاطفة الجوع، وأخفف عن هذا الضيق بأن أتخيل - في خواطر اليقظة والأحلام - أني آكل وأشبع على مائدة حافلة بالألوان، وإذا استيقظت لم أصدق أني أكلت.
ولكن المريض الذي يضيق بعاطفة الغيظ المكظوم يخترع ويتخيل أنه قد قتل خصمه واستولى على ممتلكاته، وتثبت عنده هذه الدعوى فلا يرجع عنها في يقظته، وهو هنا قد انتقل من النيوروز - مرض العاطفة - إلى السيكوز - مرض العقل - وارتاح إلى هذا المرض الجديد؛ لأنه أنقذه من توتر العاطفة. (2)
السيكوز هو مرض العقل؛ أي إن المريض يؤمن بأنه ملك أو ثري أو وزير، أو تعتقد المريضة أنها أم كلثوم أو جريتا جاربو، ونحن في أحلامنا نعيش في سيكوز نحلم بأننا نطير، أو بأننا في حضن امرأة جميلة، أو أننا قد سافرنا إلى الصين، ولكن إذا استيقظنا رجعنا إلى حقائق الواقع، أما المريض فلا يرجع إلى الواقع، وفي خواطر اليقظة أحيانا نستسلم لمثل هذه الخيالات اللذيذة ونرتاح إليها بعض الوقت، ولكن المجنون يلصق بها كل الوقت؛ فالفرق بيننا وبينه درجي، نحن نترك العاطفة تطغى بعض الوقت (= نيوروز) أو نخترع ونتخيل حالات وصورا ذهنية نرتاح إليها (= سيكوز) فإذا عدنا إلى وجداننا زال كل هذا، أما المجنون فتطغى عليه العاطفة (= نيوروز) أو هو يسكن إلى الخيالات والصور التي اخترعها كي يرتاح إليها من غليل العاطفة المتأجج ولا يعود إلى وجدانه (= سيكوز). (3)
الهستيريا هي مرض جسمي له أصل نفسي، وأوله عندنا نحن العقلاء عاطفة مكظومة تتسلل إلى الخروج بشتى الطرق، كالعرق يصيبني وقت الخجل، أو جفاف الريق والحلق إذا وقفت على المنبر للخطابة، أو ارتعاش اليد للخوف، وقد يفدح قليلا كالإسهال من الهم، ولكنه في المريض يتفاقم أكثر، كأن يحس المريض فالجا يمنعه من مبارحة السرير، أو هو يعمى، أو يحس صمما.
تأمل رجلا يعيش مع زوجة من الأبالسة في الشر والعنت والإيذاء، يكره الدنيا لأنه كرهها، ولكنه بدلا من أن ينتحر كما يفعل غيره في مثل هذه الظروف يجد نفسه أعمى، والعمى هنا في التفسير النفسي مرادف للانتحار؛ إذ هو يعبر عن كراهته لها وللدنيا من أجلها، وهو علاج مثل علاج السيكوز في اختراع وتخيل حالة حسنة تفرج عن الغيظ أو الحزن أو الهوان المكظوم. (4)
الشيزوفرينيا هي مرض يحمل المريض على تجنب الناس، وهو يعتزل ويستسلم لخواطره شهورا بل سنين، فينقطع ما بينه وبين العالم انقطاعا تاما، ويستسلم لخواطره وعواطفه، حتى يخترع لنفسه عالما كاملا يسكن إليه، وكلنا إلى حد ما نجد مثل الشيزوفرينيا حين نأوي إلى غرفتنا وننفرد ونكره لقاء الناس، ونستسلم لخواطر لذيذة تعوقنا من الشقاء الذي نحسه في الحياة الاجتماعية، ولكنا نحن الأصحاء نقنع من هذه العزلة بوقت قصير، أما المريض فيلتزمها طوال حياته، والانطوائيون كثيرا ما يقعون في الشيزوفرينيا؛ لأنها تتفق ومزاجهم الانفرادي الانعزالي. (5)
ناپیژندل شوی مخ