بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وروى السيد أبو طالب بإسناده عن جرير عن الأعمش عن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرا قبر الحسين بن علي -عليهما السلام- فلما وردنا كربلاء دنى جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثم ائتزر بإزار وارتدى بآخر، ثم فتح صرة فيها شعر قنبرة على يديه، ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله، حتى إذا دنى من القبر قال: ألمسنيه، فألمسته، فخر على القبر مغشيا عليه، فرششت عليه شيئا من الماء فلما أفاق قال: يا حسين يا حسين يا حسين ثلاثا، ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنى لك بالجواب وقد سجيت أوداجك على أنباجك وفرق بين يديك ورأسك، فأشهد أنك ابن خير النبيين، وابن سيد الوصيين، وابن حليف التقوى وسبيل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء، وما بالك ألا تكون هكذا وقد غذتك كف محمد سيد المرسلين، وربيت في حجور المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام فطبت حيا وطبن ميتا غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك ولا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، فأشهد أنك مضيت على ما مضى يحيى بن زكريا. قال عطية: ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليك أيتها الأرواح الطيبة التي بفناء الحسين وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين، والذي بعث محمدا بالحق -صلى الله عليه وآله- لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. قال عطية، فقلت لجابر بن عبد الله: وكيف ولم تهبط واديا ولم تعل جبلا والقوم فرقت بين رؤوسهم وأولادهم وأبدانهم، فأوتمت الأولاد، وأرملت الأزواج فقال: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل قوم شرك في عملهم))(1) أحدر بي نحو باب كوفان، فلما صرنا في بعض الطريق قال لي: يا عطية، هل أوصيك وما أظنني بعد هذه السفرة لاقيك، أحب محب آل محمد ما أحبهم، وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم وإن كان صواما قواما.
وقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفا أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا}(2) نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي أهل بيته وذريته وعترته سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم من على وجه الأرض - عليهم السلام- ويقرر ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم[142ب]: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)).
وقوله تعالى لنبيه إبراهيم: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}(3) فنفاها سبحانه عن الظالم فقط وأثبتها للمحسن، وقول الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...الآية}(4) وغير ذلك.
مخ ۱۲