إن في الشجرة مئات منها، ولو رأيت ثم رأيتهن يشبهن أيدي الغانيات، يهدين الباقات الزهرية، لزوار دوحاتها، وقصاد ساحاتها، وشاهدت في يد العامل أنبوبا فضيا بهيا، يتدفق الماء منه ويتقاذف بين ثنايا الأشجار، وفي طبقات الحشائش السندسية.
ومن عجب أن الماء في آن انصبابه على أرض الدوحة ترى فيه ألوان قوس قزح، من أصفر فاقع وأزرق زاهر وأخضر ناضر وأحمر قان وبرتقالي زاهر وبنفسجي بهيج، وكأن الماء بلور في تحليل ألوان الشمس السبعة.
وفوق ذلك شاهدت في ثنايا تلك الألوان الخطوط السود الشمسية، تتقاطع أثناء تلك الألوان البهية، فزاد تعجبي، وعلمت أن تركيب مادتهم على طريقة تكفل إبراز الحقائق العلمية، وإظهار العجائب الحكمية.
فلما رآني السيد «جامون» مطرقا مفكرا قال: لعلك سحرك المنظر، وسرك المشهد؟ قلت: إي والله. قال: ألم تكن لكم يا أهل الأرض عبرة، انظر انظر كيف تقدمت الشجرات لكم بوردها العندمي، تأملوا أخلاق الورد، وجمال الزهر، ما لكم عن الجمال غافلين، وعن الفضيلة عادلين، وعلى الرذيلة عاكفين! ألم تر الماء وهو يتدفق منصبا على الأرض، كيف تراه خطوطا مائية جارية، لا يقهر قويها ضعيفها ولا غليظها دقيقها، ولا يتعدى كبارها على صغارها، وذلك أن الماء رفع في أعلى مكان، كما سيرفع بالتعليم نوع الإنسان، فلذلك أخذ كل خط مائي مكانه ونال طلبه مما استعد له من العمل والسبيل.
إن الإنسان إذا تعلمت جماعاته، وقام كل امرئ وأمة بما جبلت عليه نفوسهم، وما يليق بعقولهم، عمل كل على مكانته، وجروا إلى غاياتهم، جري هذه السائلات الماشية إلى أرضها، فأما إذا بقيت على فطرتها، وتمكنت طبيعتها، بغى بعضها على بعض، كما يجري الماء في الأنهار.
فقلت له: لقد رفعت الشجر علينا، وأكبرت الماء المنصب عنا، ونحن أفضل من الحيوان، وأرقى من الجماد ، وأعلى من النبات.
فقال: لقد فعل النبات ما خلق له، وأنفذ الحيوان ما أعد له، وجرى الجماد لغايته، فأما أنتم فلم تزالوا جاهلين خاملين، أنتم لا تعلمون لم خلقتم، إنكم في ذلك مختلفون، أفرأيتم الشجر الذي من فاكهته تأكلون، إنه لا سمع له ولا بصر ولا شم ولا ذوق ولا عقل ولا رجل بها يمشي ولا يد بها يبطش، وأوتي كل ما اشتهاه من غذاء ودواء وحياة، أفرأيتم الحيوان الذي به تنتفعون، إنه أوتي حواس وأعضاء وآلات بها يسعى، وهو درجات بعضها فوق بعض بمقدار الحاجة وما تقوم به الحياة، فلا تظنوا أنتم والحيوان أن مواهبكم وعقولكم وحواسكم خلقت إلا لإتمام ما نقصكم من مواد الحياة.
فقلت: كأنك تريد أننا لم نرتق عن الجماد إلا بالآلام والتعب، وأن عقل العاقل وسمع السامع وبصر المبصر دلالة على نقص اعتراه، فاتخذ تلك الحواس وسائط ليبلغ شأو النبات، وما هو ببالغه.
قال: بعض ذلك قد كان، ولكن الحكمة الكبرى والفائدة العظمى للنصب الذي عالجتموه، والعمل الذي سلكتموه، والعقول المركوزة، والغرائز الموضوعة، والحواس المضيئة، والأعضاء المعينة أن تتعلموا الاستقلال والحرية، وترفعوا بأنفسكم وترقوا بعقولكم عن الدنايا ولا تعولوا على الطبع والجبلة.
فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إن النبات لا حياة ولا حس له إلا على مقدار حاجته، وهو موفى المادة غزير الرزق، والحيوان أقل منه رزقا وأكثر نصبا، أنتم أكثر نصبا وأقل حظا من القسمين.
ناپیژندل شوی مخ