واستمر رمضان يفتش عن رجولته في كثير من اليأس، سائلا كل من يلقاه، جاريا وراء كل مشير، متتبعا كل أصبع، وحديثه أثناء ذلك لا يدور إلا عن البحث الذي وهب له نفسه. والحديث يدور في صلاة الجمعة، وعلى القهوة، وفي سوق السمك، وعلى محطة الترام، ومع تومرجي المستشفى، وحتى مع حضرة الضابط، كل هذا والحال مثل الحال. •••
كان الحديث يدور بين رمضان ونعيمة فوق السطح والشمس تدفئهما في ذلك اليوم من أيام الشتاء، وكأحاديث الضحى الدافئ كان الكلام يشرق ويغرب في كسل هادئ، والوقت يمضي، ورمضان في يوم راحته لا يسأل ولا يسأل، ونعيمة قد اشترت «سردين» الغداء من الصباح، وتمددت في استسلام فاتر، ودار الحديث ودار، وكانت لهجة رمضان أرق ما يكون، فلعله فكر كثيرا في امرأته، وأنب نفسه كثيرا حين فكر ، فاختار هذا اليوم بالذات، وهذه الساعة نفسها ليقول كل ما يثقل ضميره.
واقترب مما يريد، وطأطأ كلامه وكأن حديث الضحى لا زال يدور وهو يقول: اسمعي يا نعيمة. - خير.
وتردد رمضان، ثم أسلمه تردده إلى سكون راح يخلص نفسه من حرجه، ويتملص منه ليقول: مش، مش أحسن أخلص ذمتي من الله و...
وحين نظرت إليه في كسل وبشائر ضحكة تكاد تهب منها لحديثه المتعثر، استمر هو يتهته: أحسن، أحسن، أطلقك يا نعيمة.
واعتدلت المرأة حتى واجهته، ودبت على صدرها، وقد اربدت ملامحها، وبان فيها عتب كثير: يا عيب الشوم يا رمضان، إيه الكلام ده؟ دانت أبويا وخويا وتاج راسي، دانت في عيني من جوه، هو أنا أسوى الأرض اللي بتمشي عليها، دانا خدامتك يا حبيبي، بقى ده كلام، مقصوصي شاب، وشعرك ابيض، ونعمل زي العيال، دا دا يصح يا ابو سيد.
ولم يسكتها إلا موجة البكاء التي أوقفت لسانها، وسحبت المنديل من فوق رأسها، وضمدت به دموعها حين قامت هالعة تهبط السلم، وهي تتعثر على درجاته.
وتركت وراءها رمضان يتحسس تجاعيد وجهه، ويملس على رأسه التي كادت تخلو من الشعر، ويمر بيده على بطنه المتكور، ويشد شعر رجله الكث الذي ابيض أكثره، وينظر إلى ابنه سيد.
وتأمل الصبي وكأنه يراه لأول مرة منذ سنوات!
كان سيد يرقد أمامه، وقد غطى رأسه بكراسة الحساب، وظل الرجل يلتهم الولد بعينيه ويتوه، ثم يعود إليه غير مصدق.
ناپیژندل شوی مخ