201

الفصل الثلاثون

كما يولد الإنسان ميلادا جديدا، خرجت من بين جدران السجن، وبدت لي الدنيا في ألوان زاهية لم يسبق لي عهد بمثلها من قبل، صار الهواء يملأ صدري عاطرا، والضوء يملأ عيني بهيجا، ونضرة الأشجار ترطب قلبي إذا أظلتني ظلالها، وما كان أسعدني أن أسير في الطريق في ساعات الصباح الباكر ورذاذ المطر يتطاير في وجهي، أو عندما كنت أجول في حدائق الجزيرة في ساعات العصر والأزهار تتناجى بألوانها الباهرة. من قال إن في القاهرة شتاء؟ إنه ربيع باسم ذلك الذي استقبلني بعد خروجي من السجن وجعلني أزداد غراما بهذه الأرض العزيزة، وبعد أن مرت فرحة الأيام بعد خروجي، حقق عبد الحميد ما عقد عليه النية من التقدم إلى منيرة، ولم أسمح لأحد أن يسألني عن شيء في أمرها مكررا في كل مرة قولي: «ليس هذا من شأني.»

المرأة هي التي تختار وقد خلقها الله لتختار وعليها وحدها يقع كل العبء في الاختيار، هي التي ينبغي لها أن توجه حياتها ما دام الله قد وهب لها عقلا ووهب لها غريزة، النساء ينطقن بوحي الغريزة بأصدق مما تنطق العقول، وليس من الضروري أن تقول الفتاة: «نعم أرضى.» فإن ردمويا وحدها تستطيع أن تغني وترقص وتحرق البخور لنجم الشعرى، ثم تسأل قلبها ليهديها، فينطق لسانها في صراحة. لم تقل منيرة شيئا عندما سألها عبد الحميد: «أترضين بي يا منيرة؟» وكانت عند ذلك في غرفة الجلوس بمنزل عمة عبد الحميد في اليوم الرابع لخروجي من السجن، وكانت أمي تصلي في البهو المجاور، وكنت أنا غائبا في أول زيارة للأستاذ علي مختار.

وقد أخبرني عبد الحميد أنها لم تقل له شيئا، بل خجلت وخرجت من الغرفة صامتة، وكان مشفقا أن يكون قد آذاها أو سبب لها حرجا، ولكني كنت واثقا من رضاها، كان ذلك يبدو واضحا في كثير من الأحيان في الكلمة العابرة والنظرة السانحة، ولم يخب ظني عندما سألتها، عندما وجهت إليها سؤالي: «أترضين بعبد الحميد؟»

أجابت قائلة: «هذا من شأنك أنت يا سيد.» ثم انصرفت من أمامي.

وكانت سعادة عبد الحميد ظاهرة في نظرته الشاكرة عندما قلت له: «أهنئ نفسي.» وتم الاحتفال بعقد الزواج بعد يومين، وكان بسيطا وسعيدا.

وكانت مقابلتي للأستاذ علي مختار صدمة شديدة لم أكن أتوقعها، كنت متوقعا أن يهب واقفا ليفتح لي ذراعيه، وهممت أنا بأن أستقبله فاتحا ذراعي أيضا كما يفعل الشركاء في الجهاد عقب المعركة ، ولكني وجدته رجلا آخر غير الشاب الواثق بنفسه الهادئ المسيطر، كانت نفسه تقطر مرارة وهو يجيبني عن أسئلتي، وقال في حنق مكتوم: لن أقيم في هذا البلد بعد هذا.

فقلت ملطفا: هذا شعور مؤقت، وسيزول بعد قليل لنعيد الجهاد مرة أخرى.

فنظر إلي نظرة حانقة، ثم قال: من أجل من؟

فقلت محتجا: من أجل من؟ من أجل أنفسنا، من أجلك ومن أجلي، ومن أجل كل من يعيش ويتألم، من أجل أبنائنا الذين ما يزالون يتألمون؛ لا تدع هذا العارض ...

ناپیژندل شوی مخ