وإنما ينبغي للمؤذن أن يؤذن ببدن طاهر، وثوب طاهر، على موضع طاهر كالصلاة، وإن أذن وهو جنب، أو غير متوضئ، أو محدث، أو بثياب منجوسة، أو على موضع منجوس، أو على مزبلة، أو بثياب الحرير، أو باشر الذهب أو الحديد أو النحاس، أو لبس الجلود؛ فإنه لا يفعل هذا كله؛ فإن فعل فلا بأس. والنظر عندي - والله أعلم -: أن الأذان يتردد بين أن يشبه الصلاة؛ لأنه ذكر لله عز وجل مشروط فيه الوقت والقيام ومواضع الصلاة، فكأنه جزء منها، وبين أن يشبه سائر التنزيهات لله عز وجل كالدعاء بعرفات، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام اللذين مشروط فيهم الوقت والموضع، فمن شبهه بالصلاة أوجب فيه الطهارة؛ ومن شبهه بغيرها لم يشترط في صحته الطهارة، والله أعلم. وأما إن تكلم في أذانه، أو أكل، أو شرب؛ فإنه يستأنف على قول بعضهم، وكذلك إن أحدث في أذانه ببول أو غائط أو قئ أو رعاف؛ فلا بأس عليه في أذانه على ما ذكرناه، والله أعلم.
وعلى قول الآخرين لا يستأنف، وسبب اختلافهم عندي والله أعلم: هل الأذان مقيس على الصلاة أم لا؟ غير أن النظر يوجب عندي: أنه يستأنف لأن فعل الأذان في زمان النبي عليه السلام لم ينقل إلينا قط إلا متواليا، والله أعلم. وإن أفرد الأذان أو ثلث أو نكس([16]) به، فأخذه من أسفل أو من وسط، أو أذن بالبربرية أو بالعجمية؛ فإنه يستأنف في كل هذا؛ لأنه لم يفعل كما نقل إلينا وكما أمر، وذلك إنما نقل إلينا مرتبا متواليا مثنى مثنى بالعربية.
مخ ۳۸۹