3
فقد اشتهرت عشيرته بالروح الجمهورية في روما منذ أجيال عدة: «أو لم يطرد أسلافه طرقوين من مدينة روما لما لقب ملكا؟» هذا هو ما لم يزل يذكره بروتاس، وهذا هو ما لم يبرح يذكره به كاسياس، ويضرب على نغمته كلما بدا له أن يحرض بروتاس على قيصر: «لقد سمعنا آباءنا يقولون: إنه كان مرة في روما رجل يدعى بروتاس كان يحتفظ بكرامته وعزته كما لو كان ملكا مهيبا، ولو ألجأه ذلك إلى مطاوعة الشيطان اللعين.»
ثم تأمل خطاب ليجارياس له، وما تضمن من التنويه بوطنيته، وبشرف حسبه ونسبه «المشهد الأول - الفصل الثاني»: «أي بروتاس يا روح روما ويا دم شريانها ويا منبع حياتها وقوتها، ومصدر مضائها وهمتها، يا نجلها الأروع الشجاع ويا فتاها الشهم الجريء، سلالة الأسد الغضافرة، والليوث القساورة!»
ولقد كان شعاره «السلام والعزة والحرية»، «الفصل الثالث: المشهد الأول»: «هلموا معشر الرومان فانحنوا ودعونا نغمس في دم قيصر أذرعنا إلى المرافق ونخضب أسيافنا، ولنسر بعد ذلك إلى مكان السوق، فنهز نصالنا الحمراء فوق رءوسنا ثم لنصح جميعا: «مرحبا بالسلام والعزة والحرية»!»
وعلى هذا المثال نرى أن العذر الذي أداه إلى الشعب عن اشتراكه في مقتل قيصر هو «المشهد الأول - الفصل الثالث»: «إن خروجي وثورتي لم يكن لأن محبتي لقيصر كانت أقل مما ينبغي، بل لأن محبتي لروما هي أكثر وأعظم.»
وقد كان رأيه الحر النزيه أنه من المحال أن يكون الإنسان من الخسة والدناءة بحيث لا يحب وطنه: «أيكم بلغ من ضئولته وخسته ودقته أنه لا يحب بلاده؟ إن كان فيكم مثل هذا فليتكلم!»
وأخيرا تجيء شهادة أنطانيوس التي أداها فوق جثته عن سمو مكانته في الوطنية، وما أصدقها لصدورها عن عدو ألد - والفضل ما شهدت به الأعداء: «هذا كان أفضل روماني من بينهم جميعا.
إن المتآمرين كلهم - ما عداه - قد آتوا ما آتوا من حسد وحقد على قيصر الأعظم.
ولقد دخل هو في زمرتهم وانخرط في سلكهم متفردا من بينهم بحسن القصد والنية، وشرف المذهب والمطلب والحرص على منفعة الأوطان والصالح العام.»
وهكذا يتضح لنا أن بروتاس كان نبيلا كريما وطنيا، ينزل من نفوس الشعب بأسمى منزلة وأخص مكانة، ثم نرى أنه على الرغم من كل ذلك قد باء بالفشل والخيبة، ولماذا؟ نقول: إن معظم السبب في هذا يرجع إلى أنه لم يكن رجلا عمليا، إنما كان نظريا خياليا، كان لا يعرف كيف يهيئ ما لديه من الوسائل التهيئة الكفيلة بإدراك بغيته وغايته، فهو أحرى أن يعد فيلسوفا من أن يعد رجلا عمليا ولذلك كان منطقيا حاذقا، وسياسيا أخرق، لقد كان يعالج المتعذر، ويحاول المستحيل، فيجلب بذلك على نفسه وعلى حزبه الأرزاء والكوارث، إنه لم يكن مثل صاحبه كاسياس ثاقب النظر إلى أكناه الحقائق بصيرا بمغبات الأمور والعواقب؛ لذلك لما قام خطيبا في الجماهير المهتاجة لرؤية الدماء السائلة من جراح قيصر جعل يخاطبهم بأسلوب هادئ رزين، ويحاول إقناعهم بالبراهين الصريحة البسيطة، في حين كان يجب عليه استعمال العبارات المهيجة والأساليب المثيرة المستفزة.
Halaman tidak diketahui