447

ولما فرغ هذا الفاضل «10» من هلاك ولده، ووراثة ما كان تحت يده. واعتصار المظلومة عن بلالة حالها، وعلالة [212 ب] مالها، ندب أخاها لصلبه ، وهو عجزة «11» أولاده، ومن يرجوه مثله لمعاشه ومعاده، للتقبل بمعاملات ناحيته احتيالا عليه في إلحاقه بأخيه، واقتطاعه دون كفاف يتصرف فيه. فتلطف واعتذر، واعترف بالعجز ما «12» قدر، حتى إذا أعياه التلطف، ولم يقنعه إلا التصرف، مد رقبته لربقة التقليد، وكبر سبعا «1» على طارف الملك والتليد. وما زال يجبي كل ولود ونزور «2»، ويمري كل بكي ء «3» وثرور «4»، حتى نضب المال «5» إلا قليلا، وعصب ريقه إلا بليلا. وطفق يعيره بعجزه وتضجيعه «6»، ويبكته على خرقه وتضييعه. وأمر فجمع عليه ما لم يثبته سمع ولا بصر، ولم ينبته نجم ولا شجر، ولم تطلع عليه شمس ولا قمر. وسبب عليه لأعلاج الهنود، وغلاط كفارهم السود مالا أو هى متن «7» طاقته، وأتى من وراء فاقته. وحرشهم عليه بتطميع في عاجل موزون، وترغيب في آجل مضمون، حتى أوهنوه شدا وإيثاقا، وأثخنوه ضربا وإرهاقا، ووضعوا عليه في بعض لياليه دهقا استمر به إلى الصباح النائر «8». حتى إذا لم يبق منه غير ناقر «9» الطائر، علموا أنه مظلوم، وأن الأنحاء عليه في دينهم المدخول، وشركهم المخذول قزم «10» ولؤم؛ فنفضوا أيديهم عنه «11»، لا عنين أباه ومن أرضعه ورباه، وأطعمه بعد الله وسقاه. وما ظن الأفاضل الكرام بمن يوفي رحمة الكافر الفاجر على قساوته، [213 أ] وطبع قلبه «12» وغشاوته؟! وبمن يزعم أنه والد يحنو «13» على ولده، ويعتده فلذة من كبده، وبضعة من روحه وجسده؟! كل ذلك طمعا في استزادة مال، واستضافة حال، قصاراها إلى تمحق وزوال. فلا رحم الله كل جافي العقيدة، خافي المكيدة، قاسي الفؤاد، حاسي دماء الأولاد. إن للآباء فروضا على الأبناء. وللأبناء حقوقا على الآباء، فإن يكن من فرض الوالد أن لا يقتص منه على «1» قتل ولده، وقطع بيده «2» يده، فمن حق الولد أن يطاع الله في صلة رحمه، وتقوى «3» الإقدام على روحه ودمه.

نعم، ولما أن خف عن البائس كربه، وانجلى عنه وصبه، أسرى إلى جانب الأمير أرسلان الجاذب [فتى السلطان يمين الدولة وأمين الملة] «4» في زحفة السهم المارق، والرجم المقذوف على المارد السارق، متقيا به عارض البأس، ومستبقيا روحا معلقة بخيط اليأس؛ فآواه وقبله، ونشر عليه جناحه رحمة له. وكتب إلى أركان الدولة في بابه بما أطل «5» عليه سعاية أبيه، وغل دونه نكاية قصده وتجنيه. وحاذر الفاسق المارق افتضاحه بآخر ولده كما افتضح بمن قبله، أروى الله صداه، وقبح أباه. فلم يزل يلقاه بشعوذة المخاريق، وبرقشة التزاويق، حتى أقرضه مالا سد به منخر بأسه، ورد معه عدوى امتعاضه وشماسه «6»، كابن المقفع حين أقرض السجان، واستوجب الأمن والأمان. فلو [213 ب] نقب عن منافس فتوقه، ومنافخ جلده وعروقه، لا نتضحت حيلا تعجز كل صباغ وصواغ، وثعلب بين الوحوش رواغ.

Halaman 470