ثم قالت في صوت خافت: ليست هذه أول مرة أسيء فيها وتعفو، وتكرمني وأجفو، وتحسن إلي وألقى إحسانك بالنكران، ولكني إذا خلوت إلى نفسي كدت أقطعها أسفا. اعف عني لما فرط مني في ساعة غلبني ضعفي، واذهب إلى حربك وعد منصورا موفقا، وسأصلي لك لعل الله يستجيب لدعائي ويغفر لي زلل لساني.
فنظر إليها أبرهة متأثرا، ثم حول عينيه حينا فشخص إلى الأفق، ثم انفلت مسرعا وهو يمد يده إلى عينيه يمسح منها دمعة.
وبقيت ريحانة في مكانها ساعة طويلة تتحدث إلى نفسها حديثا صامتا، وكانت كلمة أبرهة ترن في سمعها إذ قال لها: «سأجعل لسيف ولدك شطرا منها.» وكانت تضطرب مثل ريشة في مهب الهواء، يضيء لها الأفق الذي تحت عينيها حينا، ثم يقتم حينا، وتسائل نفسها: أحقا يصدق أبرهة؟ أم هي إحدى دفعاته التي يتدفق فيها القول على لسانه حلوا، حتى إذا ما هدأت نفسه وذهبت عنه الدفعة، نسي ما قال أو تناساه، أو جحده في جمود. وهل يستطيع أن يبر بذلك الوعد الذي نطق به في حرارة تشبه حرارة الصدق؟ أو هي حماسة لحظة لا تلبث أن تنطفئ إذا أحاط به ولده يكسوم وقواده الأحباش، الذين ما زالوا يلومونه على إفراطه في تكريمها؟ وهل كان يستطيع أن يصدق في قولته تلك ويتحدى ولده يكسوم؟ ومع ذلك كله فمن يدري؟ إنه لم يعدها بأكثر من أن يجعل لولدها شطرا من ملكه. وأي ملك هو؟ أهو الملك الذي انتزعه قسرا من قومها؟ أم هو الملك الذي لم ينطق القضاء بعد بحكمه فيه؟ من يدري؟ ماذا يكون حظه في المغامرة التي يعتزم أن يقتحمها؟ إنه يعدها بقطعة من حلمه، بظل من خيال، بأمل في أمنية ما تزال وهما في خاطره. أرضيت نفسها بعهد يقطعه على نفسه في أمر ما يزال محجوبا وراء ستار الغيب؟ وهل هي حقا رحلة خريف؟ تلك الحرب التي يعتزم أن يخوضها مع قريش صقور عرب الشمال؟
وعاد قلبها يثور ويرمي أبرهة بالسخرية والقسوة، وقالت في سرها: «إنه في كل مرة يسحر قلبها بألفاظه المعسولة، حتى إذا ما ذهب عنها وجدت أنها لم تقبض منه إلا على الريح. أين سيف؟ إنه لم يكن اليوم في الموكب.» وهجم عليها فجأة شعور الأم التي تفتقد ولدها، كأنها لم تفطن إلا في تلك اللحظة إلى غيابه. أين سيف؟ ولدي سيف؟ وقامت في لهفة تبحث عن ولدها.
الفصل الخامس
قال الراوي:
خرج أبرهة في الصباح الباكر مع جيشه، يتدفق مثل نهر يفيض تحت عاصفة، وكانت الفيلة تسير في الطليعة كأنها حصون تتحرك بطيئة، ومن ورائها سارت الخيول العربية رشيقة، من فوقها حراب تبرق في سحابة من الغبار، وبقيت ريحانة في شرفتها تنظر في أعقاب الألوف المتدفقة بين جبلي نقم وعيبان، حتى غابت أواخر صفوفها بين الربى الخضراء، ثم استلقت على أريكتها وقد استولت عليها رهبة شديدة. كانت منذ ليلة تتحدث إلى نفسها حانقة على أبرهة، حتى خيل إليها أنها لا تضيق بالحياة إلا من أجله، وجرفتها الهواجس في تيارها حتى اتهمت نفسها، وودت لو كانت قضت على حياتها قبل أن تعرفه، ولكنها مع ذلك أحست له وحشة عندما فارقها.
ومهما يكن من الأمر فإن ريحانة استلقت على أريكتها في الشرفة مستسلمة لهواجسها، تتمثل أبرهة وقد بلغ مكة؛ فخرجت إليه قريش خاضعة ذليلة، تسأله العفو وتذعن له بالطاعة، ثم تتمثل الفيلة الضخمة وقد شدت إلى الكعبة تنقض بناءها حجرا حجرا، حتى تدكها وتسويها بالرمال المحيطة بها. ثم تتمثله عائدا بجيشه العظيم يشق جبلي صنعاء مرة أخرى ويسوق أمامه الغنائم والأسرى، وقد خرجت تستقبله في موكب ضخم مع شيوخ اليمن وأمرائها، وتستنجزه وعده الذي قطعه على نفسه أن يجعل لولدها سيف شطرا من ملكه. أيفعل حقا؟ أم يعود أدراجه وينسى وعده، أو يجحد أنه نطق بحرف منه؟ وما كادت ريحانة تخلص إلى تلك النهاية حتى ارتدت عليها الهواجس، تصور لها فرسان قريش وهم يسارعون إلى القتال من رءوس جبالهم الجرداء، وشعاب أوديتهم الوعرة التي يتربصون فيها، ثم يثبون على الحبشة فيشردونهم ويوقعون بهم القتل والأسر، حتى لا يبقى لأبرهة جيش. وتمثلته يرتد كسيفا يتعثر في هزيمته الشنيعة، هائما على وجهه في الصحراء. أهي نقمة القضاء عليه من أجل تشريده لأبي مرة؟ وخيل إليها أنها حقائق، لا هواجس يجسدها الوهم لها. وكادت تصرخ قائلة: «أية مقادير تلك التي تتعقب آثاري؟» لم تحمل إليها تلك الخواطر الحزينة شيئا مما تحمله أحلام اليقظة من الرضى، بل إنها حملت إليها فزعا وقلقا لم تكن تتوقعه، فلو هزم أبرهة حقا وشرد عنه جيشه، وارتد يتعثر في الهزيمة هائما على وجهه في الصحراء كما فعل أبو مرة من قبل، لكانت كارثة جديدة بعد كارثتها الأولى، كأن الزمان موكل بها يختار لها أشد الكوارث وأقساها.
وأحست يدا تمسح على رأسها في رفق، فالتفتت إلى ورائها وهي ما تزال ماضية في سبحها، ثم انطلقت منها صيحة مكبوتة: سيف؟
ومدت إليه يدها قائلة: أين كنت يا ولدي؟
Halaman tidak diketahui