Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } [النجم: 27]، لكن نظرهم مقصورا على صورها وقلة عقلهم بمعناها، يزعمون أن القوى واللطائف بنات الله، { وما لهم به من علم } [النجم؛ 28]؛ أي غير متيقن بما يزعمون { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } [النجم: 28]؛ يعني: لا يصل الظن إلى حد يحكم عليه بخفية الشيء المظنون؛ لأن فوق الظن العلم، وفوق العلم الصحيح السماعي علم اليقين المكاشفي، وفوق علم اليقين المكاشفي عين اليقين وهو العلم المشاهدي، وفوق عين اليقين المشاهدي حق اليقين مما يتعلق بالوصول، وفوقه حقيقة حق اليقين مما يتعلق بالذوق، ومثاله في عالم الشهادة علمك بأن هذه الشجرة تحمل رمانا فيه حياة مثل العسل، ولكل حبة نبت خاص وطعم حلو كأنه سكر معقود وشراب مروق، والشجرة كانت شجرة رمان، فاعتقادك بما يخرج عن هذه كما سمعت عن الدهقان؛ هو اعتقاد صحيح علمي، فإذا أخضرت الشجرة وأزهرت فشاهدتها زاد علمك السماعي وتبدل بعلم اليقين، وإذا انتشرت الزهرات خرج منها درج الرمان، وشاهدته تبدل علمك علم اليقين الكشفي بعين اليقين، كمال حده واقتطفته وشققته وشاهدت حباته، والبيوت التي وصفها الدهقان لكل حبة صار عين اليقين، فإذا أكلته وذقته ووصل إلى حلقك حلاوته، واختلط بوجودك شرابه، وصار هو أنت ولطيفتك المدركة هو، فصار حق اليقين في هذا المقام حقيقة حق اليقين.
{ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } [النجم: 29]؛ يعني: لا يصل إلى مرتبة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وحقيقة حق اليقين أحد إلا بذكرنا، فمن كان معرضا عن ذكرنا فهو صاحب ظن وتخمين، فأعرض عنه ولا تسمع كلامه؛ لأنه لا يقول إلا ظنا و
الظن لا يغني من الحق شيئا
[يونس: 36]، وإعراضه عن ذكرها فأعرض عن قولي: { عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم } [النجم: 29-30]؛ لأنهم ما وصلوا إلى حقيقة العلم لكون نظرهم مقصورا على ظاهر الحياة الدنيا؛ التي هي متاع قليل من الحياة الأخروية التي هي الحياة بالحقيقة؛ لأنها دائمة ليس لحالها ماض ولا مستقبل، { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } [النجم: 30]؛ يعني: هو أعلم بالقوة الضالة عن سبيل الهدى، وأعلم بالقوة المهتدية إلى الصراط المستقيم، وهو يجازيهم بما عملوا في دار الكسب، { ولله ما في السموت وما في الأرض } [النجم: 31] من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والروحية، { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } [النجم: 31]، يعني: بالقوة السفلية العاجزة القالبية والنفسية، والقلبية والروحية يجزيهم الله بالقوى الأرضية الدركات وما فيها، { ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } [النجم: 31]؛ أي: يجزي القوى العلوية بما أحسنوا من الإيمان بالله ورسوله وبآياته البينات بالحسنى؛ التي هي جزاء أعمالهم الحسنة، التي هم كسبوها.
[53.32-39]
{ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } [النجم: 32] يحذرون من الكفر بالله والشرك به؛ لأنها من الكبائر، وترك طاعته كسالة ورجاء المغفرة وهو من الفواحش، إلا اللمم إذ الإنسان خلق من الأضداد فلا يمكن له الاحتراز عن اللمم، وهو لمة تلم به من تلك الأضداد عند انبعاث قوتها، ونرجو من الله أن يعفو عنا كل ما يطرأ علينا من غير انخرام النية على إباحته خاصة على ما ندم صاحبه من الملامة به، ومن ارتكابه تلك اللمة، وهو الغفور العفو الرءوف يغفر ويعفو ويرأف على عبده المبتلي بالأضداد في دار الابتلاء، النادم بقلبه على ذنبه المستغفر من ربه، { إن ربك واسع المغفرة } [النجم: 32]، واسمه الغفور يدل على أنه واسع المغفرة، وبه يغفر الذنوب الذاتية جميعها، كما يغفر باسم غافريته الذنوب الصفاتية، وبغفاريته الذنوب الأفعالية، وبعفويته الذنوب الآثارية، وإن لم يتب من نسيان وغفلة منها فباسم غفوريته يغفر إذا تاب من الفواحش، وشرح غفوريته بما يتعلق بمطلع القرآن، ومما يطوي سره لا مما يروي حقيقة، { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } [النجم: 32]؛ يعني: بما حصل لكم من القوى المعدنية السفلية الخبيثة، { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } [النجم: 32]؛ يعني: بما لكم من القوى النباتية والحيوانية الفاسدة التابعة للهوى، المقبلة على الرديء المعرضة عن المولى، { فلا تزكوا أنفسكم } [النجم: 32]، إذ نفسكم غير زكية بما حصل لها من القوى المعدنية الأرضية، والقوى النباتية والحيوانية، { هو أعلم بمن اتقى } [النجم: 32]؛ يعني: الله أعلم بمن وفق؛ لأن يبقى في القوى التابعة للهوى، ويجتهد في تزكية نفسه من الأخلاق الردية الحاصلة له من السفليات.
{ أفرأيت الذي تولى } [النجم: 33] عن الحق، { وأعطى } [النجم: 34] الحظ للقوى السفلية، { قليلا وأكدى } [النجم: 34] على القوى العلوية حقها؛ يعني: منع الحق عنها، { أعنده علم الغيب فهو يرى } [النجم: 35]؛ أي: عنده علم ما أودعناه يوم الجزاء لمن يعطي الحظ للقوى السفلية، ويمنع الحق عن القوى العلوية، فهو يرى ذلك الجزاء.
{ أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى } [النجم: 36-37]؛ أي: أم لم يخبر بما في الصحف اللطيفة السرية والقلبية المبلغة لطائفها إلى أمم القوى بالتمام والكمال، { ألا تزر وازرة وزر أخرى } [النجم: 38]؛ يعني: لا يحمل وزر قوة نفسية على قوة قالبية، { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [النجم: 39]؛ يعني: أبلغي أيتها اللطيفة الخفية إليهم أن ليس في الدار الآخرة لأحد إلا ما سعى في دار دنياه خيرا كان أم شرا.
[53.40-46]
{ وأن سعيه سوف يرى } [النجم: 40]؛ أي: إن كل أحد سوف يرى ما سعى؛ لأن الدنيا مزرعة الآخرة، وهو يزرع اليوم فلا بد أن يحصد ما يزرع غدا، { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } [النجم: 41]؛ وهو جزاء يتفضل عليهم بفضله فوق ما يكسبونه من الوصول إلى حضرته ، وقرارة عيونهم بمشاهدته، { وأن إلى ربك المنتهى } [النجم: 42]؛ يعني: نهاية الأمر رجوعه إلى ربه، { وأنه هو أضحك وأبكى } [النجم: 43]؛ يعني: إنه خلق فيك موجبات البسط والقبض، والسرور والحزن، والآثار الناسوتية التي هي الضحك والبكاء اللذان هما من أفعاله الملكوتية التي هي متصلة بالصفات الجبروتية مجتمعة في الذات اللاهوتية، وبعبارة أخرى أنه أضحك القوى الأرضية بإنبات أشجار المعرفة، وأبكى سماء الصدور بمطر الرحمة، وفي حقيقة هذا البيان رمز يتعلق بحد القرآن { وأنه هو أمات وأحيا } [النجم: 44]؛ يعني: أمات القوى السماوية العاجزة عن الحياة الحقيقة الطيبة، وأحيى القوى الصالحة الأرضية بمطر الرحمة النازلة من سماء الربوبية، المنبتة أشجار المعرفة الآمنة على شوك الشك والوهم والقلق.
Halaman tidak diketahui