434

قال وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن كان من أشراف اليمن وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن فولدت له غلاما سماه معد يكرب وكانت ذات جمال فانتزعها الأشرم من أبي مرة فاستنكحها فخرج أبو مرة من اليمن فلحق ببعض ملوك بني المنذر أظنه عمرو بن هند فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال لا تعجل فإن لي عليه في كل سنة وفادة وهذا وقتها فأقام قبله حتى وفد عليه معه فدخل عمرو بن هند على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله واستأذن له فدخل فأوسع له عمرو فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه فأقبل عليه فألطفه وأحسن مسألته وقال له ما الأمر الذي نزع بك قال أيها الملك إن السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منا أمورا شنيعة أجل الملك عن ذكرها فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه مؤملين له راجين أن يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم فإن رأى الملك أن يصدق ظننا ويحقق رجاءنا ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا وليست كما يلي الملك من بلاد العرب فعل قال قد علمت أن بلادكم كما وصفت فأي السودان غلبوا عليها الحبشة أم السند قال بل الحبشة قال أنوشروان إني لأحب أن أصدق ظنك وأن تنصرف بحاجتك ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب وأكره أن أغرره بجندي ولي فيما سألت نظر وأنت على ما تحب

وأمر بإنزاله وإكرامه فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى فلما ترجمت له أعجب بها

وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الأشرم غلاما فسماه مسروقا ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة فقال له لعنك الله ولعن أباك وكان معد يكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه فأتى أمه فقال لها من أبي قالت الأشرم قال لا والله ما هو أبي ولو كان أبي ما سبني فلان فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض واقتصت عليه خبره فوقع ذلك في نفس الغلام ولبث بعد ذلك لبثا

ثم إن الأشرم مات ومات ابنه يكسوم فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه فلم يجد عند ملك الروم ما يحب ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين فانكفأ راجعا إلى كسرى فاعترضه يوما وقد ركب فصاح به أيها الملك إن لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل وقال من أنت وما ميراثك قال أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن الذي وعدته أن تنصره فمات ببابك وحضرتك فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى وأمر له بمال فخرج الغلام فجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى ما الذي حملك على ما صنعت قال إني لم آتك للمال إنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل فأعجب ذلك كسرى فبعث إليه أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له الموبذان إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته وما تقدم من عدته إياه وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن اصابوا ظفرا كان له وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب

قال كسرى هذا الرأي وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له وهرز كان كسرى يعدله بألف أسوار وقواهم وجهزهم وأمر بحملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل فركبوا البحر فغرقت من الثماني السفن سفينتان وسلمت ست فخرجوا بساحل حضرموت وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ونزل وهرز على سيف البحر وجعل البحر وراء ظهره فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم فأرسل إلى وهرز ما جاء بك وليس معك إلا من أرى ومعي من ترى لقد غررت بنفسك وأصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت إلى بلادك ولم أهجك ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه وإن أحببت ناجزتك الساعة وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك وتشاور أصحابك

Halaman 447