Tafsir Sadra al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
طريق آخر:
إن السعادة على ضربين: بدنية وعقلية. والبدنية ما تدرك بالمشاعر الجسمانية كالسمع للمسموعات، والبصر للمبصرات، والذوق للمذوقات، والخيال للمتخيلات والعقلية ما تدرك بالقوة العاقلة، كادراك العقل للمفارقات كذات الباري وصفاته وأسمائه وملائكته العلوية. والحكماء الإلهيون والأولياء الربانيون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في اصابة اللذات والخيرات البدنية الدنيوية أو الأخروية بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك، وإن أعطوها على وجه الدوام والاستمرار - كما في الآخرة - ولا يستعظمونها في جنبة هذه السعادة التي هي إدراك الصور العقلية المفارقة الذوات عن المحسوسات وما يليها.
وبيان ذلك بالتفصيل، أنه يجب أن يعلم أن لكل قوة من قوى النفس الإنسانية لذة وخيرا يخصها، وأدى وشرا يخصها. مثاله: أن لذة الشهوة وخيرها أن تتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من المدركات الخمسة المشهورة، ولذة الغضب الظفر بالإنتقام، ولذة الوهم الرجاء، ولذة الحافظة تذكر الأمور الموافقة الماضية. وأذى كل واحدة منها ما يضاده.
وتشترك كلها - نوعا من الشركة -، في أن الشعور بموافقتها وملائمتها هو الخير واللذة الخاصة بها، وموافق كل منها هو وجود الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل؛ والإنسان جامع لجميع هذه القوى والغرائز، فلكل قوة وغريزة منه لذة وألم بإزائها، ولذتها في نيلها بمقتضى طبعها الذي خلقت له، وهي سعادتها، فإن هذه الغرائز ما ركزت في الإنسان عبثا ولا هزلا.
ثم إن هذه القوى، وإن اشتركت في هذه المعاني، إلا إن مراتبها في الحقيقة مختلفة، ودرجاتها متفاوتة. فالذي كماله أفضل وأتم، والذي كماله أكثر وأدوم، والذي كماله أوصل وأحصل له، والذي هو في نفسه أكمل فعلا وأفضل، والذي هو في نفسه أشد إدراكا: فاللذة والسعادة اللتان له أبلغ وأشد، وأوفر وآكد.
فإذا تقرر هذا فنقول: وكذلك للإنسان غريزة تسمى بالنور الإلهي في قوله:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر:22]. وتسمى بالقوة العاقلة، والبصيرة الباطنة. وهي تدرك المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة، كادراكها حدوث العالم وافتقاره إلى مدبر حكيم موصوف بصفات الإلهية، فاعل للحقائق الأسمائية، وخلقت لأن تدرك حقائق الأشياء.
وكمالها الخاص بها، الذي به سعادتها الأصلية، التي هي فوق سعادة قواها وغرائزها الحسية والخيالية والوهمية، هو أن تصير في ذاتها عالما عقليا موجودا فيه صور الكل، والنظام المعقول في الكل، والخير الفائض في الكل، مبتدءة من مبدء الكل، وسالكة إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة، ثم النفسانية المتعلقة ، ثم الأجسام العلوية بقواها وهيئاتها، ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله، فتنقلب عبدا مطيعا لله، متقربا إليه، مشاهدا لما هو الحسن المطلق، والخير المطلق، والجمال الحق المطلق، ومتحدة به، ومنتقشة بمثاله وهيئته، ومنخرطة في سلكه وصائرة [إليه] وبذلك فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ويفتخر المفتخرون، ويباهي المباهون، لأنه إذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى، ولمن في طبقتها من الأشخاص، وجد هذا بالمرتبة التي يقبح معها أن يقال: " إنه أفضل وأتم منها "؛ بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه تماما، وفضيلة، وكثرة، وسائر ما يتم به الذاذ سائر المدركات واسعادها.
أما الدوام، فكيف يقاس دوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد؟ وأما شدة الوصول، فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح، بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله حتى يكون كأنه هو بلا انفصال؟ إذ العقل والعاقل والمعقول شيء واحد - كما هو عند التحقيق - أو قريب من الواحد كما عليه الجمهور.
Halaman tidak diketahui