Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
وبالجملة: يصور السقر من مقتضيات هذه القوى، ويوكل عليها من زواجر الزبانية على عدد مأخذها عدلا منه سبحانه؛ لينزجر كل من القوى بزاجر يناسبها.
ولما نزلت قال أبو جهل: ثكلتكم أمهاتمكم بخبر ابن أبي كبشة، إن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم؛ أي: الشجعان، أتعجز كل عشر أن تبطش بواحد منهم؟!
وبعدما قالوا ما قالوا على سبيل التهكم أنزل سبحانه: { وما جعلنآ أصحب النار } وخزنتها { إلا ملئكة } أقوياء، قوتهم لا تقاس بالقوى البشرية، بل لا يقاوم جميع من على الأرض بواحد من الملك في القوة والصولة { وما جعلنا عدتهم } أي: عددهم المذكور { إلا فتنة } اختبارا وابتلاء؛ أي: سبب اختبار افتتان لهم، يفتنون بهذا العدد، تارة يستقلون، وتارة يستبعدون ويتعجبون من مقاومة هؤلاء المعدودين بعموم العباد المستحقين لدخول السقر من الثقلين، وبالجملة: يستهزئون بهذا القول، ويضحكون منه، وإنما أنزلنا هذه الآية، وخصصنا هذا العدد وهؤلاء المعدودين { للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتب } أي: ليكتسبوا اليقين، ويجزموا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبصدق القرآن وحقيته؛ لأن هذا ليس ببدع منا في هذا الكتاب، بل أنزلنا كذلك في سائر كتبنا.
ولما وجدوه موافقا لما كتبهم تيقنوا بصدق القرآن ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم { ويزداد الذين ءامنوا إيمنا } على إيمانهم؛ أي: يرسخ إيمانهم، ويتأكد بتصديق أهل الكتاب كتابهم ونبيهم { و } بعدما استيقنوا واستقاموا على اليقين، وتمكنوا فيه { لا يرتاب } ويشك { الذين أوتوا الكتب والمؤمنون } في حقية هذا الكتاب وهذا النبي المؤيد به { وليقول الذين في قلوبهم مرض } شك وارتياب في حقية هذا الكتاب والنبي من أهل النفاق.
{ والكفرون } الجاحدون الجازمون في التكذيب، المجاحدون بالإنكار صريحا: { ماذآ أراد الله بهذا } أي: أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب المستبعد، إلى حيث صار في الاستغراب والاستبعاد { مثلا } سائرا بين الناس يستعملونه ويتداولونه، مستبعدينه ومستهزئين { كذلك } أي: مثلما سمعت يا أكمل الرسل من استيقان البعض، واستنكار البعض الآخر بهذا العدد المذكور { يضل الله } العليم الحكيم بمقتضى قهره وجلاله { من يشآء } إضلاله من عباده، وأراد مقته وضلاله { ويهدي } بمقتضى لطفه وجماله { من يشآء } إذ هو فاعل على الإطلاق بالإرادة والاختيار والاستحقاق.
{ و } بالجملة: { ما يعلم جنود ربك } يا أكمل الرسل؛ أي: مظاهر لطفه وقهره، وجماله وجلاله { إلا هو } إذ هو المستقل بالإحاطة والشمول، لا يعزب عنه شيء من الأصول والفروع؛ إذ لا سبيل للعباد إلى إحصاء أوصافه وأسمائه التي تترتب عليها مظاهره ومصنوعاته، ما للعباد ورب الأرباب { و } بالجملة: { ما هي } أي: ذكر السقر ووصفها، وعدة الخزنة عليها { إلا ذكرى } أي: عظة وتذكرة نازلة من قبل الحق { للبشر } [المدثر: 31] المجبولين على العبرة والنظر، المكلفين بجلب النفع ودفع الضر، وبالحذر عن مقتضى القهر والجلال، والركون إلى مقتضى اللطف والجمال.
[74.32-47]
{ كلا } وحاشا أن يتذكر بها هؤلاء الحمقى، إلا من وفقه الحق، وأدركته العناية من جانبه { و } حق { القمر } [المدثر: 32] المنير.
{ والليل } المظلم، وكيفية تصاريف القمر المضيء في ظلمة الليل، وانمحاء نوره { إذ أدبر } [المدثر: 33] أي: ولى واصنرف ذاهبا؛ يعني بالقمر: نور الإيمان المشرق في الليل الذي هو عبارة عن ظلمة عالم الكون والفساد المترتب على التعينات العدمية الحاصلة من انعكاس شمس الذات.
{ والصبح } الذي هو ظهور نور الوجود، وطلوع شمس الذات الأحدية التي انمحت وفنيت { إذآ أسفر } [المدثر: 34] أي: أضاء وأشرق أضلال التعينات بالمرة، وانتثرت كواكب الهويات، وانطفأت شهب العكوس، واضمحلت مطلق الإضافات.
Halaman tidak diketahui