550

Tafsir Al-Jilani

تفسير الجيلاني

Wilayah-wilayah
Turkmenistan
Empayar & Era
Seljuk

{ من كفر } فيما مضى { فعليه كفره } أي: وبال كفره وفسقه ملازم معه يدخله في النار، ويخلده فيها مهانا { ومن عمل صالحا } فيما مضى { فلأنفسهم يمهدون } [الروم: 44] أي: فهم بإيمانهم وعملهم الصالح يمهدون، ويبسطون لأنفسهم منزلا ومهادا في الجنة هم فيها خالدون.

والسر في قيام الساعة والنشأة الأخرى: { ليجزي } سبحانه { الذين آمنوا } وأيقنوا بتوحيده وبجميع ما جاء من عنده على رسله { وعملوا الصالحات } المقبولة عنده امتثالا لما أمروا به على ألسنة رسله { من فضله } أي: يجزيهم من محض فضله ولطفه معهم، ومحبته إياهم بأضعاف ما استحقوا بأعمالهم وإيمانهم، ويجزي الكافرين أيضا بمقتضى عدله بمثل ما اقترفوا من الكفر والشرك وأنواع الظلم والظلال { إنه لا يحب الكافرين } [الروم: 45] المصرين على الكفر والضلالن سيما بعد إرساله سبحانه إليهم من يصلحهم ويهديهم إلى صراط مستقيم، فكذبوه وأنكروا له عنادا واستكبارا.

{ ومن } جملة { آياته } سبحانه الدالة على كمال رأفته ورحمته للمؤمنين المتحققين لمرتبة التوحيد، المتمكنين بمقر الوحدة الذاتية: { أن يرسل الرياح } المشتملة لأنواع الروح والراحة، المهبة من نفحات النفسات الرحمانية؛ ليتعرضوا لها ويستنشقوا منها فيضان آثار اللطف والجمال، مع كونها { مبشرات } لمزيد فضله وطوله، ونزول أنواع رحمته وجوده { وليذيقكم } ويفيض عليكم { من } سعة { رحمته } ما ينجيكم ويخلصكم من لوازم بشريتكم وناستوكم { ولتجري الفلك } أي: سفن تعيناتكم الجارية في بحر الوجود { بأمره } وعلى مقتضى مشيئته وإرادته { ولتبتغوا } وتطلبوا بعدما فوضتم أموركم إليه واتخذتموه وكيلا { من } موائد { فضله } وإحسانه، وعوائد كرمه وجوده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { و } إنما فعل معكم سبحانه هذه الكرامات { لعلكم تشكرون } [الروم: 46] رجاء أن تشكروا نعمه، وتفوزوا بمزيد كرمه، وتتحقوا بمقام معرفته وتوحيده الذي جبلتم لأجله.

ثم قال سبحانه مقسما تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالة لهمه وحزنه من تكذيب الجهلة المسرفين، المشركين بالله، المستهزئين مع رسوله: { و } الله { لقد أرسلنا من قبلك } يا أكمل الرسل { رسلا } مبشرين ومنذرين { إلى قومهم } الذين ظهرت عليهم أمارات الكفر والطغيان، وعلامات الكفر والعدوان { فجآءوهم } مؤيدين من عندنا { بالبينات } الواضحة، والمعجزات اللائحة، ففاجئوا على تكذيبهم عنادا واستكبارا بلا تدبر وتأمل منهم في آياتهم وبيناتهم { فانتقمنا } بمقتضى قهرنا وجلالنا { من الذين أجرموا } بالجرائم العظام، سيما تكذيب الرسل - عليهم السلام - { و } كيف لا ننتقم عنهم بتكذيبهم رسلنا، مع أنه { كان حقا علينا } بمقتضى ما ثبت في لوح قضائنا، وحضرة علمنا { نصر المؤمنين } [الروم: 47] أي: نصر الرسل والمؤمنين بهم، وتغليبهم على الكفارين بعدما امتثلوا لأوامرنا، و اجتنبوا عن نواهينا، وبلغوا جميع ما أمرناهم وأوحيناهم إلى ما أرسلناهم، فكذبوهم ولم يقبلوا منهم؟!.

[30.48-53]

فكيف لا يقبل منهم أولئك البعداء، المنكرون المسرفون وحي العحق إياهم وإلهامهم عليه، مع أنه { الله } الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات الظاهرة، المتجلي على مقتضاها بالاستقلال إرادة واختيارا { الذي يرسل الرياح } المنتشئة من محض فضله وجوده بلا سبق سبب يوجبها، وعلة تقتضيها على ما جرى عليه عادته سبحانه في سائر الموجودات { فتثير } وتحرك أجزاء البخار والدخان، ويمتزج بعضها مع بعض فتركمها وتكشفها حتى صارت { سحابا } هامرا { فيبسطه } سبحانه { في } جو { السمآء كيف يشآء } عرضا وطولا، سائرا وواقفا، مطبقا وغير مطبق، إلى غير ذلك من الأوضاع الممكنة الورود عليها.

{ و } بعدما مهدة سبحانه وبسطه { يجعله كسفا } أي: قطعا مختلفة { فترى } أيها الرائي { الودق } المطر { يخرج } ويفيض { من خلاله } وفتوقه بعدما تكون فيه بقدرة الله من اجتماع أجزاء الأبخرة والأدخنة المتصاعدة الممتزجة، المتراكمة المتكاثفة، المتفاعلة بعضها مع بعض إلى أن صارت ماء فتقطر وتسيل { فإذآ أصاب به } أراضي { من يشآء من عباده } عناية منه سبحانه إياهم، وتفضلا عليهم { إذا هم يستبشرون } [الروم: 48] أي: فوجئوا بنزوله إلى أنواع الاستبشار والابتهاج، والفرح والسرور متفائلين بنزوله إلى الخصب والرخاء، وأنواع البهجة والصفاء.

{ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله } أي: من قبل ثوران الأبخرة والأدخنة، وانعقاد السحب وتراكمها منها { لمبلسين } [الروم: 49] آيسين قانطين؛ لطول عهد عدم نزوله إياهم.

{ فانظر } أيها المؤمن المعتبر، الناظر بنور الله { إلى آثار رحمت الله } وكمال فضله وجوده { كيف يحي } ويخضر { الأرض بعد موتهآ } أي: جمودها ويبسها، وعدم نضارتها ونزاهتها، ويظهر أنواع الأزهار والأثمار عناية منه سبحانه لعباده، وفضلا لهم؛ ليتزودوا بها ويسلكوا سبيل هدايته وتوحيده { إن ذلك } القادر المقتدر بالإرادة التامة و الاختيار الكامل { لمحي الموتى } ومخرجها ألبتة من قبورها وقت تعلق إرادته بإحيائها { و } كيف لا { هو } بذاته { على كل شيء } دخل في حيطة حضرة علمه وإرادته { قدير } [الروم: 50] على الوجه الأتم الأكمل بلا فتور وقصور؟!.

{ و } من عدم رسوخهم في الدين القويم، وقلة تثبتهم على الصراط المستقيم { لئن أرسلنا } عليهم { ريحا فرأوه } أي: ما هبت عليه من الزروع { مصفرا } من أثرها بعدما كان مخضرا؛ يعني: لا يربى زروعهم ولا ينميها، بل يضعفها ويرديها، مع أن إضرارها واصفرارها أيضا إما هو بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام { لظلوا من بعده } أي: صاروا وأخذوا بعد اصفراره { يكفرون } [الروم: 51] بالله وبنعمه، وينكرون بعموم فضله وكرمه، مع أن أخذهم بالبأساء والضراء؛ إنما هو ليتضرعوا نحوه، ويلتجئوا إليه منيبين خاشعين خاضعين؛ ليكشف عنهم ما يضرهم؛ إذ لا كاشف إلا هو، ولا منجي لهم سواه.

Halaman tidak diketahui