549

Tafsir Al-Jilani

تفسير الجيلاني

Wilayah-wilayah
Turkmenistan
Empayar & Era
Seljuk

{ أ } ينكرون قدرتنا أولئك المنكرون المفرطون { ولم يروا أن الله } القادر على أنواع اللطف والكرم كيف { يبسط } ويفيض { الرزق } الصوري والمعنوي { لمن يشآء } بسطه إياه { و } كيف { يقدر } ويقبض لمن يشاء قبضه عنه على مقتضى حكمته المتقنة؟! { إن في ذلك } القبض والبسط { لآيات } دلائل واضحات، وشواهد لائحات { لقوم يؤمنون } [الروم: 37] بتوحيد الله وأوصافه الذاتية الكاملة الجارية آثارها على مقتضى الحكمة والعدالة الإلهية، المعبرة عنها بالصراط القويم والقسطاس المستقيم.

وبعدما أشار سبحانه إلى بسط الرزق على من يشاء، وقبضه عمن يشاء إرادة واختيارا، أراد أن يشير إلى مصارفه فقال مخاطبا لحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو جدير بأمثال هذه الخطابات الإلهية : { فآت } وأعط يا أكمل الرسل من فواضل ما رزق لك من النعم { ذا القربى } المنتمين إليك من قبل أبويك { حقه } أي: ما يليق به من الصلة وحفظه ورعايته، فهم أولى وأحق بالرعاية من غيرهم { و } بعد أولئك الأولى بالرعاية: { المسكين } وهو الذي أسكنه الفقر من هاوية الهوان، وزاوية الحرمان { و } أعط بعده: { ابن السبيل } وهم الذين فارقوا عن الأموال والأوطان بأسباب أباحها الشرع لهم { ذلك } التصرف المذكور { خير } في الدنيا والآخرة { للذين يريدون } بأموالهم وصرفها { وجه الله } وابتغاء مرضاته، وخوضا في طريق شكره، أداء حق شيء من نعمه وفواضل كرمه { و } بالجملة: { أولئك } الباذلون أموالهم في سبيل الله على الوجه الذي أمرهم الحق به { هم المفلحون } [الروم: 38] المصورون على الفوز والفلاح من عنده سبحانهز

ثم أشار سبحانه إلى أحوال الجهلة الذين بذلوا أموالهم؛ لطلب الجاه والثروة والسمعة، وازدياد مال صديقه بلا وجه الله وابتغاء رضوانه وطلب الثواب منه، بل لمجرد الكبر والخيلاء، فقال: { ومآ آتيتم } وأعطيتم مما عندكم { من ربا } زيادة من أموالكم حاصلة من الربا، إنما أعطيتم { ليربوا } ويزيد { في أموال الناس } مكافأة لهم، أو نية فاسدة أخرى بلا امتثال أمر الله وطلب مرضاته { فلا يربوا } ولا يزيد لكم صرفكم هذا { عند الله } شيئا من الثواب، بل لا يقبل عنده سبحانه أصلا؛ لإفسادكم في أغراضكم ونياتكم { و } أما { مآ آتيتم } وأعطيتم للفقراء { من زكاة } قد فرضها سبحانه عليكم امتثالا لأمره، وإطاعة لدينه على الوجه الذي أمرتم به، مع أنكم { تريدون } وتقصدون بإخراجها وصرفها { وجه الله } ومحض رضاه بلا خلط شيء من أماني أهويتكم، وتسويلات أمارتكم معها { فأولئك } الفاعلون للزكاة على الوجه المذكور المأمور { هم المضعفون } [الروم: 39] عند الله ثوابها إلى سبعين، بل إلى سبعمائة، بل إلى ما شاء الله عناية من الله، وإفضالا لهم.

[30.40-43]

وكيف لا تطلبون وتقصدون بخيراتكم وصدقاتكم خالص وجه الله؛ وتشركون معه غيره من التماثيل والأظلال الهالكة، البالطة العاطلة؛ إذ { الله } المتوحد المتفرد في ذاته، القادر المقتدر، الحكيم العليم { الذي خلقكم } وأظهركم من كتم العجم، ولم تكونوا شيئا مذكورا لا بالقوة ولا بالفعل { ثم } بعدما أظهركم في بيداء الوجود { رزقكم } وأنعم عليكم من أنواع النعم؛ ليربيكم بها على مقتضى اللطف والكرم { ثم } بعدما انقضى الأجل المسمى عنده لبقائكم في النشأة الأولى { يميتكم } على مقتضى قهره وجلاله تتميما لقدرته الكاملة الغالبة { ثم } بعدما انقرضت النشاة الأولى المعدة لأنواع الابتلاءات والاختبارات الإلهية، المتعقلة لحكمة إظهاركم وإيجادكم في عالم الكون والفساد؛ لتتزودوا فيها من المعارف والحقائق، والاتصاف بالأخلاق الإلهية لنشأتكم الأخرى { يحييكم } فيها؛ للعرض والجزاء وتنقيد ما اقترفتم من الأعمال والأحوال في النشأة الأولى؛ لتجازوا بها على مقتضى فيها.

وبعدما سمعتم ما سمعتم تأملوا وتدبروا منصفين أيها المشركون بالله المتوحد المتفرد، والمستقل في التصرفات الواقعة في ملكه غيرة منه سبحانه وحمية؛ لحمى قدس ذاته من أن يحوم حول سرادقات عزه وجلاله شائبة فتور وقصور، وبعدما سمعتم هذا من خواص أوصافه سبحانه تأملوا { هل من شركآئكم } الذي ادعيتم شركتهم مع الله القادر المقتدر على أمثاله بالاستقلال والاختيار { من يفعل من ذلكم } الذي سمعتم صدروه منه سبحانه { من شيء } حقير قليل، كلا وحاشا صدور شيء من الأشياء من غيره { سبحانه } أي: في ذاته منزه عن شوب الشركة والمظاهرة مطلقا { وتعالى } شأنه { عما يشركون } [الروم: 40] أولئك المشركون المسرفون علوا كبيرا.

ومن كمال جهلهم بالله، وغفلتهم عن علو قدره وسمو مكانته { ظهر الفساد } وأنواع البليات والمصيبات الواقعة { في البر والبحر } من الجدب والعناء والوباء والزلزلة، وأنواع الحرق والغرق والضلالات الواقعة في السفن الجارية، مع أن أصل الظهور والبروز باعتبار الفطرة الأصلية على العدالة والاستقامة، وإنما ظهر ما ظهر من الانحرافات والانصرافات المنافية لصرافة الاعتدال الحقيقي الإلهي { بما كسبت أيدي الناس } أي: بشؤم ما اقترفوا من الكفر والكفران، والفسوق والعصيان، والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة على الاعتدال والقسط القويم، والحكمة في صدور هذه الانحرافات والفسادات منهم: { ليذيقهم بعض الذي عملوا } أي: ليذيق لهم العليم الحكيم في الدنيا وبال بعض أعمالهم الفاسدة، ويبقى بعضها إلى الآخرة ليستوفيها، وإنما نذيقهم نبذا منها عاجلا { لعلهم يرجعون } [الروم: 41] إلينا بعدما ذاقوا ما ذاقوا من أنواع المحن والشدائد.

وإن أنكر هؤلاء المشركون إذاقتنا العذاب لأمثالهم { قل } لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: { سيروا في الأرض } المعدة لأنواع الكون والفساد { فانظروا } نظر معتبر منصف، ومتأمل مستبصر؛ ليظهر عندكم { كيف كان عاقبة الذين } مضوا { من قبل } مع أنهم { كان أكثرهم مشركين } [الروم: 42] أمثالكم، مشاركين معكم في الشرك والكفر، وأنواع الفسوق والعصيان.

وبعدما أشار سبحانه إلى وخامة عاقبة أصحاب الآراء الفاسدة، والأهواء الباطلة من المنحرفين عن جادة الاستقامة، المنصرفين عن سبيل السلامة، أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالإقامة والاستقامة في منهج العدالة التي هي دين الإسلام الناسخ لجميع الأديان الباطلة، والآراء الزاهقة الزائلة، فقال: { فأقم وجهك } أي: استقم وتوجه يا أكمل الرسل بوجه قلبك الذي يلي الحق { للدين القيم } المنزل من عنده سبحانه على الاستقامة والعدالة تفضلا عليك وامتنانا { من قبل أن يأتي } ويجيء { يوم لا مرد له } أي: لا يرد فيه ما نفذ من القضاء المبرم؛ لأن إتيانه { من الله } العليم الحكيم على هذا الوجه؛ إذ لا استكمال ولا رجوع حينئذ، ولا ينفع الطاعة والعبادة حين حلوله، بل { يومئذ يصدعون } [الروم: 43] أي: يتفرق الناس فرقا، ويتحزبون أحزابا على مقتضى ما كانوا عليه في نشأة الابتلاء والاختبار.

[30.44-47]

Halaman tidak diketahui