Tafsir Al-Jilani
تفسير الجيلاني
Genre-genre
ثم قال سبحانه: { يأيها الناس } الناسين نعمة الإنجاء والخلاص عن ورطة الهلاك { إنما بغيكم } وكفرانكم الذي فاجأتم به، بدل الشكر والإطاعة في النشأة الأولى وبال عائد { على أنفسكم } في النشأة الأخرى؛ إذ { متاع الحياة الدنيا } أي: التمتع بلذاتها وشهواتها، والركون إلى مزخرفاتها قليل حقير ونزر يسير؛ لا ينبغي للعاقل أن يترك الباقي لأجل الفاني، واللذة الروحانية الدائمة المستمرة للذة الجسمانية المتناهية القصيرة { ثم } بعد انقضاء النشأة الأولى { إلينا } لا إلى غيرنا؛ إذ لا غير معنا { مرجعكم } ومصريكم رجوع الأضلال والأضواء والعكوس إلى الشمس { فننبئكم } أي: نخبركم ونعمل بكم { بما كنتم تعملون } [يونس: 23] أي: بمقتضى عملكم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
[10.24-25]
وبالجملة: { إنما مثل الحياة الدنيا } أي: شأنها وحالها العجيبة التي كنتم تعترون بها، وتميلون إليها وتفتخرون بمزخرفاتها ومموهاتها، وأمتعتها وأبنيتها { كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط } واشتبك { به نبات الأرض } أي: ترابها المنبتة للنبات، وحصل من اختلاطها { مما يأكل الناس والأنعام } من أنواع البقول والحشائش { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها } أي: شرعت لتربيتها { وازينت } أي: تزينت بأنوع التزيينات.
{ وظن أهلهآ أنهم قادرون } متمكنون { عليهآ } وعلى جمعها وحصادها، وأخذ غلاتها { أتاهآ } بغتة { أمرنا } بإهلاكها واستئصالها { ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا } قبل صلاحها، بل مقطوعا من أصلها إلى حيث { كأن لم تغن } ولم تنبت فيها منها شيء { بالأمس كذلك نفصل } ونمثل { الآيات لقوم يتفكرون } [يونس: 24] ويستعملون عقولهم بإدراك الممثل والممثل بهن وبعد تعلقهم وتفكرهم يتنبهون أن الدنيا وحياتها ما هي إلا سراب غدار غرار، وبرق بلا قرار، من اغتر بغرورها هلك عطشى الأكباد، ومن استنار بنوهرا ضل عن طريق الرشاد.
{ والله } الهادي لعباده { يدعوا } جميع عباده؛ إذ أصل فطرتهم وجبلتهم على التوحيد ودين الإسلام { إلى دار السلام } أي: مقر التوحيد الذي من تمكن فيه سلم من جميع الآثام، وسلم أمره إلى العليم العلام، القدوس السلام { و } بعد دعوته جميع الأنام { يهدي } ويوفق { من يشآء } من خلص عباده { إلى صراط مستقيم } [يونس: 25] موصل إلى توحيده، وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام تتميما لحكة التكاليف المنزلة من عنده، وتمييزا بين أهل الضلال والهداية من عباده، وأصحاب الجنة والنار بطبقاتهم.
[10.26-30]
لذلك قال سبحانه : { للذين أحسنوا } في هذه النشأة مع الله ورسله، وامتثلوا جميع ما جاء من عنده في كتبه؛ تعبيرا وانقيادا، إيمانا واحتسابا { الحسنى } أي: المثوبة العظمة الدرجة العلا، بدل إحسانهم في الدنيا؛ عدلا من الله { وزيادة } عليها، وهي رضوان الله منهم غاية وتفضلا { و } صاروا من صغاء عقائدهم وإحسانهم مع الله { لا يرهق } ويلحق { وجوههم قتر } غيار الغفلة والندامة { ولا ذلة } صغار وهوان من التواني والتكاسل في احتمال التكاليف الإلهية { أولئك } السعداء، المقبولون عند الله { أصحاب الجنة } المعدة لأرباب الفضل والعنابة { هم فيها خالدون } [يونس: 26] جزاء بما كانوا يعملون من الخيرات والمبرات.
{ والذين كسبوا السيئات } من طغيان نفوسهم، ولم يلتفتوا إلى ما أمرهم الحق، وهداهم إليه رسله، يجيزون على مقتضى ما افترقوا { جزآء سيئة بمثلها } عدلا منه سبحانه { وترهقهم ذلة } أي: تغطاهم غبار المذلة والخذلان، بدل ما اكتسبوا من البغي والعدوان { ما لهم } حينئذ { من الله } أي: من عذابه وعقابه { من عاصم } حافظ يحفظهم، أو شفيع يشفع لهم ويخفف عنهم، بل صاروا من ظلمة كفرهم وفسقهم { كأنما أغشيت } سترت وأحيطت { وجوههم قطعا من الليل مظلما } في غاية الظلمة لعدم استنارتهم بنور الإيمان والعمل الصالح { أولئك } الأشقياء، الهالكون في تيه الغي والضلال { أصحاب النار } المعدة لأهل الغفلة والأهواء { هم فيها خالدون } [يونس: 27] جزاء بما كانوا يكسبون من الكفر والمعاصي.
{ و } اذكر لهم يا أكمل الرسل { يوم نحشرهم } أي: كلا الفريقين { جميعا } في يوم العرض والجزاء { ثم نقول للذين أشركوا } بنا غيرنا من التماثيل والأصنام: الزموا { مكانكم } واستقروا عليها { أنتم وشركآؤكم } حتى تسألوا عما أجرمتم { فزيلنا } فرقنا وفصلنا { بينهم } أي: رفعنا رابطة العابدية والمعبودية التي بها وصلتهم وارتباطهم { وقال شركآؤهم } مخاطبين إياه مشافهة؛ برءة لنفوسهم: { ما كنتم } أيها الضالون، المنهمكون في الغي والضلال { إيانا تعبدون } [يونس: 28] بعلمنا وأمرنا؛ إذ لسنا من ذوي العلم وأولي الأمر، بل تعبدون أنتم أهواءكم وشياطينكم الكامنة في نفوسكم قد افتريتم علينا ونسبتم بنا؛ عنادا ومكابرة.
{ فكفى بالله } اليوم وفيما مضى { شهيدا } على ما جرى { بيننا وبينكم } هو أعلم بعلمه القديم { إن كنا } أي: إنا كنا { عن عبادتكم } أي: توجهكم ورجوعكم إلينا { لغافلين } [يونس: 29] إذ لم نخلق من ذوي الشعور والإدراك في نشأة الاختبار حتى نضلكم ونستعبدكم.
Halaman tidak diketahui