388

وبالجملة فغن أقسام الموضوعات المخصصة التي العلم بها ليس جزءا من العلم بالموضوع الأعم، بل هو علم تحت ذلك العلم - أربعة : أحدهما أن يكون الشيء الذي صار به أخص عرضنا من الأعراض الذاتية معنا، فينظر في اللواحق التي تلحق الموضوع المخصص من جهة ما اقترن به ذلك العارض فقط. كالطب الذي هو تحت العلم الطبيعي : فإن الطب ينظر في بدن الإنسان وجز من العلم الطبيعي ينظر أيضا في بدن الإنسان. لكن الجزء من العلم الطبيعي الذي ينظر في بدن الإنسان ينظر فيه على الإطلاق ويبحث عن عوارضه الذاتية على الإطلاق، التي تعرض له حيث هو إنسان، لا من حيث شرط يقرن به. وأما الطب فينظر فيه من جهة ما يصح ويمرض فقط. ويبحث عن عوارضه التي له من هذه الجهة.

والقسم الثاني أن يكون الشيء الذي به صار أخص من الأعم عارضا غريبا ليس ذاتيا، ولكنه مع هيئته في ذات الموضوع، لا نسبة مجردة. وقد أخذ الموضوع مع ذلك العارض الغريب شيئا واحدا، ونظر في العوارض الذاتية التي تعرض له من جهة اقتران ذلك الغريب به، مثل النظر في الأكر المتحركة تحت النظر في المجسمات أو الهندسة.

والقسم الثالث أن يكون الشيء الذي صار أخص من الأعم عارضا غريبا وليس هيئة في ذاته ولكن نسبة مجردة، وقد أخذ مع تلك النسبة شيئا واحدا ونظر في العوارض الذاتية التي تعرض له من جهة اقتران تلك النسبة به مثل النظر في المناظر فإنه يأخذ الخطوط مقترنة بالبصر فيضع ذلك موضوعا وينظر في لواحقها الذاتية. وهي لذلك ليست من الهندسة، بل تحت الهندسة.

وهذه الأقسام الثلاثة تشترك في أن الشيء المقرون به العارض الموصوف هو من جملة طبيعة الموضوع للعلم الأعلى من العلمين فيحمل موضوع الأعلى عليه.

والقسم الرابع ألا يكون الأخص عليه الأعم، بل هو عارض لشيء من أنواعه كالغنم إذا قيست إلى موضوع العلم الطبيعي : فإنها من جملة عوارض تعرض لبعض أنواع موضوع العلم الطبيعي. ومع ذلك فقد أخذت النغم في علم الموسيقى من حيث قد اقترن بها أمر غريب منها ومن جنسها - وهو العدد - فتطلب لواحقها من جهة ما اقترن ذلك الغريب بها، لا من جهة ذاتها. وذلك كالاتفاق والاختلاف المطلوب في النغم. فحينئذ يجب أن يوضع لا تحت العلم الذي في جملة موضوعه بل تحت العلم منه ما اقترن به. وذلك مثل وضعنا الموسيقى تحت علم الحساب. وإنما قلنا " لا من جهة ذاتها " لأن النظر في النغمة من جهة ذاتها نظر في عوارض موضوع العلم الأعم أو عوارض عوارض أنواعه. وذلك جزء من اعلم الطبيعي لا علم تحته.

والفرق بين هذا القسم والقسم الذي قبله - أعني القسم الذي جعلنا مثاله الأكر المتحركة أن ذلك العلم ليس موضوعا تحت العلم الناظر في العارض المقرون به، بل تحت العلم الذي ينظر في العام لموضوعه : إذ علم الأكر المتحركة ليس تحت الطبيعيات، بل تحت الهندسة. وأما هذا فهو موضوع تحت العلم الناظر في العارض المقرون به : لأن الموسيقى ليس تحت الطبيعي بل تحت الحساب.

وأما الذي عمومه عموم الموجود والواحد فلا يجوز أن يكون العلم بالأشياء التي تحته جزءا من علمه : لأنها ليست ذاتية له على أحد وجهي الذاتي. فلا العام يؤخذ حد الخاص ولا بالعكس؛ بل يجب أن تكون العلوم الجزئية ليست أجزاء منه. ولأن الموجود والواحد عامان لجميع الموضوعات، فيجب أن تكون سائر العلوم تحت العلم الناظر فيهما. ولأنه لا موضوع أعم منهما فلا يجوز أن يكون العلم الناظر فيهما تحت علم آخر. ولأن ما ليس مبدأ لوجود بعض الموجودات دون بعض، بل هو مبدأ لجميع الموجود المعلول )102 ب (، فلا يجوز أن يكون أن يكون النظر فيه في علم من العلوم الجزئية، ولا يجوز أن يكون بنفسه موضوعا لعلم جزئي، لأنه يقتضي نسبة إلى كل موجود. ولا هو موضوع العلم الكلى العام، لأنه ليس أمرا كليا عاما. فيجب أن يكون العلم به جزءا من هذا العلم.

Halaman 445