342

وأما الفهمي فهو ألا يكون الحد الأوسط حصل بطلب ولا بسنوح، بل بسمع من معلم من خارج، والذهن هو الذي يتلقى جميع هذا. فإن قال قائل إن الفهمي هو فكري أيضا : لأن النفس عندما تسمع تفكر؛ فيقال له إن المعلم كلما أورد حدا للقياس فعلمه المتعلم من جهة التصور كان ذلك دفعة. ثم إذا انضاف إليه حد آخر فحصلت مقدمة، فإن شك فيها لم ينتفع بما قال المعلم، إلا أن يفكر في نفه فيعلم، فيكون هذا تعليما مركبا من فهمي ومن فكري : إذ هو قياس مركب، وكل قياس من جملته فهو تعليم مفرد، وكلامنا في المفرد. وإما أن يجع إلى المعلم فيفيده المعلم العلم بالقياس، فيكون العلم إنما جاء مع القياس : وكلامنا في ذلك القياس كهذا الكلام. فأما إن لم يشك المتعلم، فظاهر أن الصديق يتبع التصور دفعة بلا فكرة. وبالجملة يجب أن يفرد التعليم الذي نحن في اعتباره تعليما واحدا وقياسا واحدا، ولا يؤخذ خلطا : فإن الخلط قد يجوز أن يتركب من أصناف شتى، فيجد فيها ما يكون فهما دفعة، وما هو غير فهم دفعة، وهنالك لا يكون انتفاع.

فإن عاد وفكر في نفسه فذلك تعلم من نفسه. أو عاد فاستفهم المعلم مرة أخرى ففهم، فالتعلم هو الذي في هذه الكرة.

ثم قد علم أن الفكرة أمر كالحركة للنفس ينتقل بها من شيء إلى شيء، ويتردد طالبه لا واحده. فإذا لم يحصل في التعليم والتعلم (91 أ) هذه الحركة على وجهها لم تكن هناك فكرة.

وإذا كان كل تعليم وتعلم للأمور العقلية، فهو إما على سبيل الفكر أو الحدس أو الفهم، وليس ذلك في التصديق فقط، بل وفي التصور. وكل ذلك ذهني. فقولهم " تعليم وتعلم ذهني " أصوب.

والشيء الذي إذا وقع التصديق به كان تصديقا بالقوة بشيء آخر، فهو إما ملزومه وإما معانده، أو كلي فوقه، أو جزئي تحته، أو جزئي معه. والملزوم إذا بالفعل كان ذلك العلم علما بالقوة بلازمه، وذلك بالقياس الاستثنائي من شرطيات متصلة. والمعاند إذا علم بالفعل كان ذلك العلم علما بالقوة بمعانده : إما برفعه عند وضع ذلك، أو وضعه عند رفع ذلك. وذلك بالقياس الاستثنائي من شرطيات منفصلة. والكلى إذا علم وجود حكم عليه من إيجاب أو سلب بالفعل، كان ذلك علما بالقوة بالجزئي الذي تحته بطريق القياس. والجزئي إذا علم وجود حكم عليه بالإيجاب أو السلب، كان ذلك ظنا بالقوة بالكلى الذي فوقه إن كان المعلوم حكما في بعض الجزئيات، وذلك بالاستقراء الناقص. أو كان علما بالقوة بالكلى الذي فوقه إن كان المعلوم حكما يعم كل جزئي، وذلك بالاستقراء التام. والجزئي إذا علم وجود حكم عليه، كان ذلك ظنا بالقوة في جزئي آخ أنه كذلك - إذا كان يشاركه في معنى - وذلك بالتمثيل.

فإذن كل صنف من الظن والعلم المكتسب إذا كان اكتسابه ذهنيا فهو بعلم أو ظن سابق : سواء كان بتعلم من الغير أو باستنباط من النفس. وليست هذه كلها سواء في كونها علما بالقوة، بل قوة بعضها أقرب، وقوة بعضها أبعد نقطة فإن اللازم ليس متضمنا في الملزوم إذا لم يكن لزومه على سبيل وضع وحمل. فأنا إذا قلنا كل ب أ فمعنى هذا القول : كل واحد مما تحت ب ومما يوصف بب ويوضع لب فهو أ. فقد ضمنا موضوعات ب في هذا الحكم. فهذه المعرفة بالقوة التي كأنها فعل. والعلم بأن الأوسط موجود للأصغر ليس علما بالقوة بأن الأكبر موجود له إذا كان الأكبر مجهولا : فإن كون الأكبر للأصغر ليس مدرجا في كون الأصغر للأوسط كأنه محصور تحته، بل الأمر بالعكس. فإنك إذا علمت إن كل ب أ فقد علمت أن كل موصوف بب هو أ ، فخلت فيه الموصوفات بب. وأما إذا علما أن كل ج ب فلم يخل أ الذي هو محمول على ب في هذا، لا بفعل ولا قوة : لأن قولنا كل ب أ معناه كل موصوف بب وداخل تحت ب فهو أ . وليس قولك كل ج ب معناه كل ج هو كل محمول ب : إذ الكلية في جنب الموضوع. فإن قال قائل إنه إذا كان كل ج ب كان ج موصوفا بكل محمول لب، فذلك وإن كان حقا، فليس مفهوم نفس اللفظ، بل هو لازم عنه. إذا قلت كل ب فمفهومه كل موضوع تحت ب. وليس يجب أن يظن أن معنى قول أرسطو " فبعلم سابق " أن ذا السبق هو في الزمان، بل بالذات. فمن الأشياء ما نعرفها الآن بالفعل إذا كانت معنا معرفة قديمة بالقوة التي كأنها فعل، وتكون تلك المعرفة قد سبقت بالزمان. وبعضها إنما نعرفها مع العلم المحتاج إليه في أن نعلمه، الذي لو سبق في الزمان لكان علما بالقوة القريبة جدا. ومثال ذلك أنك إذا فرضت حدا أكبر وأوسط وأصغر، وكان الأوسط حاصل الوجود للأصغر، وأنت تنظر هل الأكبر للأوسط لينتج منه الأكبر للأصغر. فإذا لك أنه للأوسط، بان لك في الحال أنه للأصغر، ولم تحتج أن تنتظر شيئا وأن تنظر في تأليف الأصغر مع الأوسط؛ بل يتبين لك الأمران معا في الزمان، ولم تحتج أن تطلب بعد وجودك الأكبر للأوسط أنه موجود للأصغر ولا في أقصر جزء من الزمان لو كان، لكن هذا العلم السابق إنما هو سابق بالذات، وإليه توجه أول الطلب بالذات. فهكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع.

الفصل الرابع في تعديد مبادئ القياسات بقول عام

Halaman 396