341

وكل تعليم وتعلم ذهني وفكري فإنما يحصل بعلم قد سبق. وذلك لأن التصديق والتصور الكائنين بهما إنما يكونان بعد قول قد تقدم مسموع أو معقول. ويجب أن يكون ذلك القول معلوما أولا، ويجب أن يكون معلوما لا كيف اتفق، بل من جهة ما شأنه أن يكون علما ما بالمطلوب : إن لم يكن بالفعل فبالقوة. أما التصديق فيتقدمه معلومات ثلاثة : أحدهما تصور المطلوب وإن لم يصدق به بعد. والثاني تصور القول الذي يتقدم عليه في المرتبة. والثالث تصديق القول الذي يتقدم عليه في المرتبة. فيتبع هذه الثلاثة المعلومات تصديق بالمطلوب. وسواء جعلت القول الذي يتقدم عليه بالمرتبة قياسا أو استقراء أو تمثيلا أو ضميرا أو غير ذلك، فلا بد من مقدمة أو مقدمات يحصل العلم بها على وجهين : من جهة التصور أولا ، والتصديق ثانيا، حتى يكتسب بها تصديق لم يكن.

وأما التصور فيجب أن يتقدمه تصور أجزاء الحد أو الرسم لا غير. وفي الصناعات العملية أيضا إنما يتوصل إلى التعليم والتعلم من علم متقدم : كما أن متعلم التجارة يجب أن يعلم أولا ما الخشب وما القدوم؛ وأن الخشب من شأنه أن ينحت بالقدوم وينشر بالمنشار ويثقب بالمثقب وما أشبه هذا.

واعلم أنه لما قيل : كل تعليم وتعلم ذهني، حسبوا أن الغرض في قوله " ذهني " هو أن يفرق عن الحسي. قالوا فإنه قد يتعلم أيضا حسي عن علم قد سبق : كمن أدرك شيئا بالحس ثم نسيه فهو يتطلبه ويتعرفه، فيكون هذا التطلب الثاني بعد علم سبق. وهذا مما ليس يعجبني : فإنه يشبه أن يكون التعلم والتعليم لا يقالان على ما يستفاد بالحس. ولو أن إنسانا أرى إنسانا غيره شيئا ما عرضه على حسه فإفاده إدراكا لمحسوس لم تكن عنده معرفته، فإنه لا يقال لنفس ما فعل به الآخر إنه علمه شيئا، ولا يقال للمفعول به ذلك إنه تعلم شيئا، اللهم إلا أن يكون إنما أراه ما أراه ليحدث له به ملكة ما صناعية. وذلك إذا كان ما يريه هو هيئة عمل. وذلك اعتبارا غير اعتبار كونه مدركا لذلك من حيث هو محسوس. والأشبه أن يكون هذا أيضا ليس تعليما وتعلما، بل تعريفا وتعرفا، وألا يكون إدراك الجزئيات علما بل معرفة.

وبعد ذلك فإن قولهم : إن كل تعليم وتعلم ذهني فبعلم قد سبق، ليس الغرض به أي سبق اتفق، بل أن يكون سبقا نافعا في التعليم والتعلم، وحاصل الوجود في هذا التعلم حصول العلة مع المعلول. وأما الإحساس الأول فليس شيئا موصلا إلى الإحساس الثاني ولا جزءا من السبب الموصل إلى الإحساس الثاني نافعا فيه، موجودا معه. فإن أريد أن يكون هذا الكلام على هذا التأويل كالصحيح، فيجب أن يجعل بدل التعليم والتعلم التعريف والتعرف، أو يفهم من التعليم والتعلم ما لم يتواطأ عليه في هذه الكتب، بل ما يفهم من التعريف والتعرف، ولا مناقشة في ذلك.

وقد قالوا إن قول القائل " كل تعليم وتعلم ذهني " ليس في صحة قول القائل " كل تعليم وتعلم فكري " : فإن هذا القائل يكون قد أخرج بقوله " الفكري " الحسي. فهؤلاء يعرض لهم ما عرض لأولئك. وشيء آخر : وهو أن الذهني هو الذي يكتسب بالذهن، والذهن غير الحس : فأي حاجة إلى ما يفصله عن الذي بالحس؟ والذي عندي هو أن الذهني أصلح من الفكري؛ فإن الذهني أعم من الفكري والحدسي والفهمي : فإن الفكري هو الذي يكون بنوع من الطلب؛ فيكون هناك مطلوب ثن تتحرك النفس إلى طلب الأوسط على الجهة المذكورة في اكتساب القياس. فلا تزال تستعرض الأمور المناسبة إلى أن تجد حدا أوسط. وأما الحدسي فهو أن يكون المطلوب إذا سنح للذهن تمثل الحد الأوسط عن غير طلب. وهذا كثيرا ما يكون. أو تكون إحدى المقدمتين سانحة للذهن فيضاف إليها دفعة حد إما أصغر وإما أكبر، فتخلق نتيجة من غير فكر ولا طلب.

Halaman 395