ومن شأن الزعيم الموقن بفكرته ألا يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا أن يتراخى ويتردد ويبطئ في خطاه، وإنما يعمل ما يراه حقا وصدقا بكل ما فيه من قوة، لا يحول دونه اعتبار الشرف أو العار، أو اعتبار الحمد والذم، أو المديح والقالة السيئة.
إن الوقوف بجانب الفكرة مثار الإعجاب ومكتسب الاحترام، وهو يورث صاحبه عادات وصفات ومزايا تجعل زعامته شريفة نبيلة بالغة رائعة، ألم تر إلى كلمة أحد زعماء الحركات الوطنية، وهو يقول في بعض خطبه الحماسية الرنانة المتسعرة: «في وسعكم أن تحرقوا جثتي حتى تستحيل رمادا تذروه الرياح، بل في ميسوركم أن تسحبوا روحي التي بين جنبي إلى هوة الظلام واليأس، حيث تظل معذبة إلى الأبد، ولكنكم تحاولون عبثا أن تطلبوا مني تأييد فكرة أعتقد خطأها حتى ولو بتأييدي لها قد أستطيع أن أحقق ما أعتقده حقا وصوابا.»
والناس مجبولون على التأثر بهذه الصفة إذا برزت في زعمائهم؛ لأنها تنطوي على اليقين بأن الإنسان على الحق، وأن الحق لا ينبغي أن يتطامن برأسه مستذلا أمام السلطان مهما كان عظيم الأثر.
الإيمان هو عنصر من عناصر الشخصية يدفع صاحبه إلى أفق بعيد من القوة والنفوذ، ويحدوه إلى أنبل العمل وأمجده، وهو في الزعامة وحدودها ينطوي على الثقة بقوتها في ذاتها، والثقة بالطبيعة البشرية، والثقة بأن هذه الطبيعة تستجيب لكل ما هو رائع وبديع جليل في الفن والحق، بل هو الإيمان بالحياة وبالمقدرة على الاستتمام والاستكمال، وبأن الجهود المتواصلة مؤدية إلى الغرض مفضية إلى الغاية، مهما قامت العقبات وتكاثرت الحوائل والمصاعب، ذلك الذي يرد الشيخ شابا، وينفخ من روحه في النفس فتضطرم وتستعر، وتستثير الإعجاب وتملأ النفوس التي كانت متشككة من قبل إيمانا ويقينا، وقديما قيل عن هذا الإيمان الصادق العميق إنه الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يجدر أن يعاش له، ويخلق بالمرء أن يحيا من أجله؛ لأنه الإيمان بأن الله مع المجاهد، وقوى الطبيعة في صف المكافح للخير، المستبسل في سبيل المجموع، بل هو الإيمان الذي يحرك الجبال، ويعين على مخاض الأهوال، والذي أحال ألوفا من الأناسي الاعتياديين إلى قديسين وأبرار وشهداء.
إن الإيمان يلهم الشجاعة على الوقوف بجانب العقائد وملازمة المبادئ، وينفي الأوهام ويحمي عن صاحبه خاطئ التصورات وخدع النفوس، ويمنع عنه سلطان الإغراء والإرهاب، ولئن قام يوما في سبيل المبدأ حائل أو اعترضته عقبات وصعاب، فإن الإيمان بها في النهاية ولا شك متخط منتصر غالب، وإن الناس ليموتون ميتة طبيعية أو ميتة سياسية، ولكن الفكرة هي التي تعيش، والعقيدة هي التي تحيا، والإيمان هو أبدا الخالد ليس له فناء.
بل إن الإيمان هو الذي يجعل للعين نظرة رهيبة غير مألوفة، بل خارقة للمألوف، ويكسب النفس بريقا وهاجا كأنه من نور السموات، فيثير الرهب ويبعث الجلال، ويقيم أرفع قواعد الزعامة، وأمتن أسسها؛ لأنه يستحوذ على القلوب أي مستحوذ ويستولي عليها أيما استيلاء ...
ومن هذا كله يخلص لك أن الشخصية هي صخرة طارق التي تنهض عليها كل زعامة قوية معمرة ثابتة، وأنها الصامدة للشدائد والأزمات ومحن الظروف وتجاريب الأيام، وإنها لترفع رأسها الجليل المهيب، فتعلو به فوق سحب الشك وغمائم الوسواس والتردد والارتياب، وإنها لتملك تلك القوة المتحدية للزمن الساخرة من أفاعيله الهزاءة بتصاريفه المستصغرة لأحداثه، وإنها أخيرا التي تتمثل وتتجسم فيها تلك القوة المتغلبة على اليأس والقنوط، والتي تعين على كل عظيمة اجتماعية، وكل عمل إنساني صالح جليل ...
قوة الإرادة وضبط النفس
لكي تأمر وتقود، ينبغي أن تزجر النفس وتقوى عليها، وتمتنع عن الاستماع إليها، وقد يلوح في هذا الشرط الأساسي الذي وضعناه للزعامة بعض التناقض، وشيء من الغموض والاستبهام، ولكنا إنما أردنا بذلك زجر المشاعر وضبط الانفعالات، وكبح جماح النفس الرامحة، كما قصدنا به إلى ادخار قوى النشاط بتوفير النفس على العمل تحت إمرة الإرادة العاقلة، والعقل الحكيم والرأي المتزن، إذ لا غناء لمن يبتغي الرفعة على الناس والسمو عن المستوى العام، عن رياضة نفسه في كثير من الاتجاهات، ومنعها عن الاسترسال في عديد من الظروف، ومن يرد أن يشعل في ذات نفسه شهب الإحساس القوي النفاذ، وأضواء الفراسة المتغلغلة إلى الأعماق، فلا ينبغي أن يكون موزع العقل، مشتت الحس، متفرق الخوالج، مضطرب الوجدان.
وليس من شك في أن المشاعر والبواعث النفسية والانفعالات الطليقة من القيد، المسرحة من اللجم، المرسلة على هواها، من شأنها أن تسرف وتتجاوز الحدود المعقولة، وتفسد على صاحبها حكمه على الأشياء، وتعمي بصيرته عن محجة السداد، وتنقص من القيمة، وتقلل من القدر، وتذهب برفعة المكان.
Halaman tidak diketahui