567

والمعنى الدال على معنى واحد ، قوله عز وجل : ( وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ) فانه انما كرر نداء قومه هاهنا لزيادة التنبيه لهم ، والايقاظ عن سنة الغفلة ، ولأنهم قومه وعشيرته ، وهم فيما يوبقهم من الضلال ، وهو يعلم وجه خلاصهم ونصيحتهم عليه واجبة فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم ، ويستدعي بذلك ان لا يتهموه ، فان سرورهم سروره ، وغمهم غمه ، وان ينزلوا على نصيحته لهم ، وهذا من التكرير الذي هو ابلغ من الايجاز ، واشد موقعا من الاختصار ، فاعرفه ان شاء الله تعالى .

وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر : ( فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) فانه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا ، وفائدته : ان يجدروا عند استماع كل نبأ من انباء الأولين اذ كارا وايقاظا ، وان يستأنفوا تنبها واستيقاظا اذا سمعوا الحث على ذلك البعث اليه ، وان تقرع لهم العصا مرات لئلا يغلبهم السهو ، وتستولى عليهم الغفلة.

وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وذلك عند كل نعمة عددها على عباده ، وامثال هذا في القرآن الكريم كثير ، ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة :

الى معدن العز المأثل والندى

هناك هناك الفضل والخلق الجزل

فقوله : هناك هناك ، من التكرير الذي هو أبلغ من الايجاز ، لأنه في معرض مدح ، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من

Halaman 569