Pengasas Mesir Moden
الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي: مؤسس مصر الحديثة
Genre-genre
ومن أهم العوامل التي زادت في أهميتها استعمال البخار في الملاحة، فطالما كانت طريق البحر الأحمر معطلة لمدة أشهر من كل سنة بسبب الرياح الموسمية، وطالما كانت طريق الفرات متعذرة لا يمكن اجتيازها إلا بسحب السفن وهي عملية مضنية؛ فإن هاتين الطريقين إلى الشرق - برغم ما لهما من الأهمية العسكرية - لم يكن يمكن أن تضارعا الطريق البحرية الطويلة حول رأس الرجاء الصالح، على أنه قبل أن تضع الحرب مع نابليون أوزارها بدأ استعمال «اللنشات» البخارية في الأنهر والترع الإنجليزية، وبعد سنوات قليلة بدأ استخدامها في عبور خليج المانش. ولم يحل عام 1820م حتى كان الناس يتوقعون استخدام البواخر في طرق المحيطات الكبرى، ولكن التقدم كان بطيئا هنا؛ ذلك لأن الآلات البخارية التي زودت بها أول باخرة لعبور الأوقيانوس كانت ضعيفة ومتلفة، بمعنى أنها استهلكت مقدارا هائلا من وقود الفحم، وهذا ما جعلها لا تجرؤ على الابتعاد عن السواحل لتأخذ حاجتها من الوقود. أما «طنبوشة الطارة» الكريهة المنظر، فقد كانت عرضة لأن تقتلعها الأمواج في عرض البحر من أساسها، هذا إلى أن الآلات نفسها كانت توقف أكثر من مرة لتنظيفها وإصلاحها ؛ فلهذه الأسباب كان استعمال السفن في بدء الأمر قاصرا على الجهات التي توجد بها سلسلة من المواني؛ كالمانش والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج الفارسي.
وسرعان ما أدركت الهند أهمية هذه الاحتمالات؛ ومن ثم اجتمع تجار كلكتا في أوائل سنة 1823م وشكلوا لجنة لبحث الموضوع، فأدى نشاطهم إلى الرحلة التي قامت بها السفينة «انتربريز» حول رأس الرجاء الصالح، وسلخت المسافة بين كلكتا ولندن في 113 يوما نصفها في السفر بالبخار ونصفها في السفر بالشراع، وكان من أثر هذا الإخفاق النسبي أن أدرك الناس مضار السفر الطويل بهذه السفن على حالتها الفطرية، واتجهت الأنظار إلى الطريق الملائم المختصر طريق السويس والبحر الأحمر.
وكان في طليعة محبذي هذه الفكرة مونتستيوارت الفنستون، وقد صادف ذلك الوقت الذي شرعت فيه لجنة كلكتا في القيام بحملتها، ولما خلفه السير جون مالكولم في منصب حاكم بمباي راح يتحمس في تحبيذ الفكرة حتى إنه حاول في سنة 1829م أن يرسل السفينة «انتربريز» من بمباي إلى السويس، ثم أمر بإنشاء سفينة جديدة اسمها «هيولندس»، وقد استطاعت في سنة 1830م أن تقوم بأول رحلة بخارية في حوض البحر الأحمر.
ومع أن شركة الهند الشرقية لم يمكن وقتئذ حملها على إتمام المشروع بتخصيص سفن بخارية إلى الإسكندرية وبالعكس لمقابلة البريد والمسافرين عند وصولهم إلى السويس؛ فقد جربت السفن في رحلات مختلفة وأخذت السفن التابعة لوزارة البحرية تسافر من مالطة إلى الإسكندرية، وتشكلت لجنة من الخبراء لوضع تقرير عن مسألة المواصلات البخارية مع الهند بحذافيرها، وأخذ التجار يستخدمون طريق السويس بكثرة في شئون البريد حتى قبل إنشاء خط منظم،
15
ثم إن توماس وجهورن الذي كان حجر الزاوية في الترويج والدعاية اتخذ له مكتبا في الإسكندرية وشرع يعمل كوكيل لنقل الرسائل البريدية، وهذا بالرغم من إصرار شركة الهند الشرقية على عدم الانتفاع بالطريق. وقد وصف لنا أوكلند حاكم الهند العام الحالة في سنة 1836م وصفا حيا، فقال في كتاب لهيهوس: «يتسلم التاجر في «أنديا هوس» تحاويله على خزانتنا لدفع مقدار معين بعد الاطلاع، وذلك بمقتضى مدة السفر التي قررتها المحكمة (أي حول رأس الرجاء الصالح)، ينبغي أن يكون بعد التاريخ بأربعة أو خمسة أشهر، ثم إنه يرسل هذه التحاويل إلى الإسكندرية، وهناك يستأجر النشيط واجهورن قاربا شراعيا ومعه حقائب البريد، ويقصد إلى «مخا»، ويضع هذه الحقائب على ظهر إحدى السفن التجارية فتصل إلى كلكتا فيما لا يزيد عن شهرين منذ خروجها من إنجلترا. وهنا يتسلم النجار الخطابات الواردة إليهم وأيضا تحاويلهم؛ لأن خزانتنا قد أودع فيها نحو 20 لكحا من الروبيات لمكسب التجار ولخسارتنا نحن، وهكذا ترى حركة الرسائل الخصوصية في ازدياد مستمر وسيل الصحف يقوى على ممر الأيام. أما أنا فبصفتي حاكما عاما فإني أؤثر المواصلات عن طريق رأس الرجاء الصالح من طريق البحر الأحمر، بل إني أفضل طريق رأس هورن (في جنوب أمريكا) عن الطريقين المذكورين، ولكن إذا فتحت الطريق المختصرة فلسوف يكون من دواعي العجب، بل ومن أسباب النقض، أن يستخدمها كل فريق ما عدا الفريق الذي له في الهند مصلحة هائلة.»
16
ولكن كانت هذه الأحوال آخذة في التلاشي وبسرعة؛ ذلك لأن الفرنسيين أنشئوا في سنة 1835م خطا للسفر بالبواخر فيما بين مرسيليا والإسكندرية، وهكذا اضطرت شركة الهند الشرقية تحت ضغط لجنة المراقبة أن توصي بصنع سفينتين بخاريتين جديدتين للسفر فيما بين بمباي والسويس وبالعكس، ومن ثم أصبح تحسين الطريق طبقا لتوصيات لجنة الجزاء مضمونا.
ولم تكن هذه هي الطريق الوحيدة الممكنة؛ فقديما كانت البصرة منافسة جديدة لميناء السويس، ولما كانت قد ظهرت فائدة البواخر في المياه الداخلية فقد جعل الناس يتساءلون طبعا: أليس من الأصوب أن تتصل مياه أورنتس بمياه الفرات في هذا العصر الذي أصبحت فيه إنجلترا مغطاة بشبكة من الترع، وبخاصة وأن مثل ذلك المشروع يكون أقل كلفة من شق قناة في برزخ السويس؟
وفي نهاية سنة 1830م وأوائل سنة 1831م شرع بمسح هذه الطريق في وقت واحد «بشيسني» من ناحية سوريا وفريق من ضباط الشركة من الهند، على أن الضباط قد حدث ما يعرقل أعمالهم بفعل الأعراب الضاربين على ضفاف الفرات، وقد اغتالوا بعضهم فعلا. أما شيسني فقد تمكن من إتمام المساحة الابتدائية برغم ما قام في سبيله من عقبات جبارة، ثم أرسل مرة أخرى في سنة 1834م على رأس بعثة اصطحبت معها سفينتين بخاريتين من سفن الأنهر ذوات القاع المسطح لاستخدامها في نقل أعضاء البعثة من مياه الفرات الأعلى إلى الخليج الفارسي، وقد استصدر فرمان سلطاني بالسماح بالملاحة في الفرات، وبعد أن ذلل شيسني مصاعب جمة تمكن من جمع سفينتيه على النهر المذكور، ولكن سرعان ما أغرقت الريح إحداها ووفقت الثانية في الوصول إلى البصرة، وبالرغم من أن كبير البعثة كان شديد التفاؤل بما يمكن أن يصل من الاحتمالات بهذه الطريق التي تمكن من مسحها بعد جهود جبارة؛ فإن الناس جميعا كانوا مقتنعين بأنه مهما كانت أهمية هذه الطريق من الناحية السياسية؛ فإن طريق الفرات قد تستطيع منافسة طريق السويس والبحر الأحمر إلى الهند.
Halaman tidak diketahui