811

المسألة الثالثة [احتجاج المجبرة بهذه الآية]

احتجت المجبرة بهذه الآية على كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، ووجه الاحتجاج بها أن المراد بالإنعام في الآية نعمة الإيمان، ولفظ الآية صريح في أن الله هو المنعم بهذه النعمة، فثبت أن الله تعالى هو الخالق للإيمان والمعطي له، وأيضا الإيمان أعظم النعم، فلو كان فاعله هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله، ولو كان كذلك لما حسن ذكر إنعام الله في معرض التعظيم.

والجواب: أنه قد تقدم لهم نظير هذه الشبهة في الاستعاذة في التاسعة من مسائل الحمد، وأجبنا ثمة بما فيه كفاية، ونقول هنا: من أين لكم أن المراد بالنعمة هنا نعمة الإيمان؟ لم لا يجوز أن يكون التوفيق واللطف أو النصر وحسن الثناء الذي أنعم الله به على النبيئين وغيرهم ممن تقدمنا على القول بأنهم المرادون ونحو ذلك مما يفهم مما سبق، سلمنا أن المراد الإيمان فالمراد مقدماته أو الإيمان نفسه، وسمي نعمة من الله لأنه لما أقدرنا ودلنا عليه صار كأنه من جهته كما مر عن جماعة من المتكلمين، ويكون من المجاز، وقد التزم السيد مانكديم معنى هذا وهو صحة القول بأن القديم تعالى منعم علينا بالإيمان وأنه يستحق الشكر عليه، وعلله بأنه لما خلقنا أحياء وقوانا وأكمل عقولنا وخلق فينا شهوة القبيح والنفرة عن الحسن، وكلفنا ومكننا من اختيار الإيمان والكفر وعرضنا بذلك على الثواب فكأنه هو الذي خلق فينا الإيمان وأنعم علينا به قال: إلا أنه لا يجوز إطلاق القول في ذلك لإيهامه الخطأ، أعني: لإيهامه أن الله خالق أفعال العباد قال: حتى أنه لو لم يوهم ذلك وعرف من حالنا أنا لا نعني به أنه الذي خلق فينا الإيمان وأنه لا يستحق الشكر عليه نفسه، وأنه إنما استحق الشكر على مقدماته لجوزنا إطلاق القول في ذلك.

Halaman 817