573

al-Magazi

المغاز

Editor

مارسدن جونس

Penerbit

دار الأعلمي

Edisi

الثالثة

Tahun Penerbitan

١٤٠٩/١٩٨٩.

Lokasi Penerbit

بيروت

حَتّى انْتَهَى إلَى خِبَائِهِ، وَتَفَرّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ إلَى مَنَازِلَ قَرِيبَةٍ مِنْهُ وَهُمْ مُطِيفُونَ بِهِ، فَقَالَ: هَلُمّ يَا أَخَا خُزَاعَةَ! فَدَنَوْت مِنْهُ فَقَالَ لِجَارِيَتِهِ:
اُحْلُبِي! فَحَلَبَتْ ثُمّ نَاوَلَتْنِي، فَمَصَصْت ثُمّ دَفَعْته إلَيْهِ، فَعَبّ كَمَا يَعُبّ الْجَمْلُ حَتّى غَابَ أَنْفُهُ فِي الرّغْوَةِ [(١)]، ثُمّ قَالَ: اجْلِسْ. فَجَلَسْت مَعَهُ، حَتّى إذَا هَدَأَ النّاسُ وَنَامُوا وَهَدَأَ، اغْتَرَرْته [(٢)] فَقَتَلْته وَأَخَذْت رَأْسَهُ، ثُمّ أَقْبَلْت وَتَرَكْت نِسَاءَهُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، وَكَانَ النّجَاءُ مِنّي حَتّى صَعِدْت فِي جَبَلٍ فَدَخَلْت غَارًا. وَأَقْبَلَ الطّلَبُ مِنْ الْخَيْلِ وَالرّجَالِ تَوَزّعُ فِي كُلّ وَجْهٍ، وَأَنَا مُخْتَفٍ فِي غَارِ الْجَبَلِ، وَضَرَبَتْ الْعَنْكَبُوتُ عَلَى الْغَارِ، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ وَمَعَهُ إدَاوَةٌ ضَخْمَةٌ وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ، وَكُنْت حَافِيًا، وَكَانَ أَهَمّ أَمْرِي عِنْدِي الْعَطَشَ، كُنْت أَذْكُرُ تِهَامَةَ وَحَرّهَا، فَوَضَعَ إدَاوَتَهُ وَنَعْلَهُ وَجَلَسَ يَبُولُ عَلَى بَابِ الْغَارِ، ثُمّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَيْسَ فِي الْغَارِ أَحَدٌ. فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، وَخَرَجْت إلَى الْإِدَاوَةِ فَشَرِبْت مِنْهَا وَأَخَذْت النّعْلَيْنِ فَلَبِسْتهمَا،
فَكُنْت أَسِيرُ اللّيْلَ وَأَتَوَارَى النّهَارَ حَتّى جِئْت الْمَدِينَةَ فَوَجَدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمّا رَآنِي قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ! قُلْت: أَفْلَحَ وَجْهُك يَا رَسُولَ اللهِ! فَوَضَعْت رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخْبَرْته خَبَرِي، فَدَفَعَ إلَيّ عَصًا فَقَالَ: تَخَصّرْ [(٣)] بِهَذِهِ فِي الْجَنّةِ، فَإِنّ الْمُتَخَصّرِينَ فِي الْجَنّةِ قَلِيلٌ.
فَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ حَتّى إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى أَهْلَهُ أَنْ يُدْرِجُوهَا فِي كَفَنِهِ. وَكَانَ قَتْلُهُ فِي الْمُحَرّمِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ شهرا

[(١)] الرغوة: زبد اللبن. (الصحاح، ص ٢٣٦٠) .
[(٢)] فى الأصل: «اغتزيته»، وما أثبتناه هو قراءة ب. واغتررته: أى أخذته فى غفلة.
(شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٧٦) .
[(٣)] التخصر: الاتكاء على قضيب ونحوه. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٧٦) .

2 / 533