متين من الفقه، وإن المصلحة توجب خلافه وتدعو إلى التمسك بعلنية الأحكام كما أسلفنا.
ونصوص الفقهاء في كتاب القضاء صريحة بأن القضاء يتخصص بالزمان وبالمكان وبنوع القضايا(1)، وبالرأي المذهبي. فلو نصب قاض يقضي بالمذهب الشافعي في أصح الأقوال فيه ليس له أن يقضي بسواه ولو خالف مذهبه هو . ذلك لأن القضاء في الأصل شرعا من حق الإمام الخليفة بعد أن كان لرسول الله في حياته.
وإن للامام أن ينيب عنه في القضاء إذا كثرت الأعباء العامة عليه .ا فالقاضي شرعا نائب الإمام أي وكيله. والوكيل يتقيد بما يقيده به الموكل، لأن الارادة الأصلية للمنوب عنه ، فإذا رأى صاحب السلطة الشرعية في النظام اختيار رأي شرعي معتبر يلزم به الناس نظاما معلنا يطيعونه ويطبقونها ويلزم نائبه القاضي أن يقضي به، فهذا صحيح شرعا، وملزم للقاضيا وليس له تجاوزه والقضاء بسواه اجتهادا منه .
وهذه المشكلة كانت قد برزت وحصل الانتباه إليها في أوائل العصر العباسي، ورفعها عبد الله بن المقفع إلى الخليفة المنصور في رسالة سماها رسالة الصحابة) شرح له فيها "أنه في البصرة يقضى بحل الأنكحة والأموال في حادثة، ويقضى في الكوفة بحرمتها، لاختلاف اجتهاد القضاة. وأشار عليه بأن يوحد ما يقضى به بين الناس ، وذلك بأن يأمر بجمع تلك الأقضية وآراء الفقهاء المتعارضة في مجموعة، وترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما حتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم ينظر هو فيها ويختار في كل قضية ما يلهمه الله أنه الصواب أو الأصوب، فيأمر بالعمل به وينهى عن القضاء بخلافه، فتصبح تلك الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ، حكمأ واحدا
(1) أورد الأستاذ المحقق الدكتور محمد زكي عبد البر جملة من أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة في هذا الشأن (تقنين الفقه الإسلامي، قطر: دار إحياء التراث الاسلامي، 1407 ه، ط 2)، ص 36- 62.
Halaman 316